تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
مع اللّه إلها آخر . فأين دليلكم عليه ؟ وهذا راجع إلى ما تقدم من جميع الاستفهام الذي جيء به على سبيل التقرير ، وناسب ختم كل استفهام بما تقدمه . لما ذكر إيجاد العالم العلوي والسفلي ، وما امتن به من إنزال المطر وإنبات الحدائق ، اقتضى ذلك أن لا يعبد إلا موجد العالم والممتن بما به قوام الحياة ، فختم بقوله :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
، أي عن عبادته ، أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق مخترع . ولما ذكر جعل الأرض مستقرا ، وتفجير الأنهار ، وإرساء الجبال ، وكان ذلك تنبيها على تعقل ذلك والفكر فيه ، ختم بقوله :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
، إذ كان فيهم من يعلم ويفكر في ذلك . ولما ذكر إجابة دعاء المضطر ، وكشف السوء ، واستخلافهم في الأرض ، ناسب أن يستحضر الإنسان دائما هذه المنة ، فختم بقوله :
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
، إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطراره وكشف السوء عنه ، كما قال :
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ
« 1 » . ولما ذكر الهداية في الظلمات ، وإرسال الرياح نشرا ، ومعبوداتهم لا تهدي ولا ترسل ، وهم يشركون بها اللّه ، قال تعالى :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
. واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
، على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى . قيل : سأل الكفار عن وقت القيامة التي وعدهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وألحوا عليه ، فنزل :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، الآية . والمتبادر إلى الذهن أن من فاعل بيعلم ، والغيب مفعول ، وإلا اللّه استثناء منقطع لعدم اندراجه في مدلول لفظ من ، وجاء مرفوعا على لغة تميم ، ودلت الآية على أنه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب . وعن عائشة ، رضي اللّه عنها : من زعم أن محمدا يعلم ما في غد ، فقد أعظم الفرية على اللّه ، واللّه تعالى يقول :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
، ولا يقال : إنه مندرج في مدلول من ، فيكون في السماوات إشارة إلى ظرفا حقيقيا للمخلوقين فيهما ، ومجازيا بالنسبة إليه تعالى ، أي هو فيها بعلمه ، لأن في ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز . وأكثر العلماء ينكر ذلك ، وإنكاره هو الصحيح . ومن أجاز ذلك فيصح عنده أن يكون استثناء متصلا ، وارتفع على البدل أو الصفة ، والرفع أفصح من النصب على الاستثناء ، لأنه استثناء من نفي متقدم ، والظاهر عموم الغيب . وقيل : المراد غيب الساعة .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 39 / 8 .