تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
قلت : هو اللّه عزّ وجل ، بما خوّلهم من التوفيق وإيمانهم ، أو بما عاينوا من المعجزة الباهرة ، ولك أن لا تقدر فاعلا ، لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا . انتهى . وهذا القول الآخر ليس بشيء . لا يمكن أن يبني الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله إلا وقد حذف الفاعل فناب ذلك عنه ، أما أنه لا يقدر فاعل ، فقول ذاهب عن الصواب . وقال ابن عطية : قرأ البزي ، وابن فليح ، عن ابن كثير : بشد التاء وفتح اللام وشد القاف ، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يحذف همزة الوصل ، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة ، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين . انتهى . كأنه يخيل أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل ، وليس ذلك بلازم كثيرا ما يكون الوصل مخالفا للوقف ، والوقف مخالفا للوصل ، ومن له تمرن في القراءات عرف ذلك .
قالُوا : لا ضَيْرَ
: أي لا ضرر علينا في وقوع ما وعدتنا به من قطع الأيدي والأرجل والتصليب ، بل لنا فيه المنفعة التامة بالصبر عليه . يقال : ضاره يضيره ضيرا ، وضاره يضوره ضورا .
إِنَّا إِلى رَبِّنا
: أي إلى عظيم ثوابه ، أو : لا ضير علينا ، إذ انقلابنا إلى اللّه بسبب من أسباب الموت والقتل أهون أسبابه . وقال أبو عبد اللّه الرازي : لما آمنوا بأجمعهم ، لم يأمن فرعون أن يقول قومه لم تؤمن السحرة على كثرتهم إلا عن معرفة بصحة أمر موسى فيؤمنون ، فبالغ في التنفير من جهة قوله :
آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
موهما أن مسارعتهم للإيمان دليل على ميلهم إليه قبل . وبقوله :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
، صرح بما رمزه أولا من مواطأتهم وتقصيرهم ليظهر أمر كبيرهم ، وبقوله :
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
، حيث أوعدهم وعيدا مطلقا ، وبتصريحه بما هددهم به من العذاب ، فأجابوا بأن ذلك إن وقع ، لن يضير ، وفي قولهم :
إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
، نكتة شريفة ، وهو أنهم آمنوا لا رغبة ولا رهبة ، إنما قصدوا محض الوصول إلى مرضات اللّه والاستغراق في أنوار معرفته . انتهى ملخصا . ويدفع هذا الأخير قولهم :
إِنَّا نَطْمَعُ
إلى آخره ، ولا يكون ذلك إلا من خوف تبعات الخطايا . والظاهر بقاء الطمع على بابه كقوله :
وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
« 1 » . وقيل : يحتمل اليقين . قيل : كقول إبراهيم عليه السلام :
وَالَّذِي أَطْمَعُ
« 2 » . وقرأ الجمهور :
أَنْ كُنَّا
، بفتح الهمزة ، وفيه الجزم بإيمانهم . وقرأ أبان بن تغلب ، وأبو معاذ : إن كنا ، بكسر الهمزة . قال صاحب اللوامح على الشرط : وجاز حذف
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 84 . ( 2 ) سورة الشعراء : 26 / 82 .