تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
الأمر بالتقوى ، وذلك مبالغة في عدم قبولهم وفي نفارهم عن توحيد اللّه وعبادته . وجاء في الأنبياء بالواو فاحتمل معنى الفاء ، واحتمل تأخر تقطعهم عن الأمر بالعبادة ، وفرح كل حزب بما لديه دليل على نعمته في ضلاله ، وأنه هو الذي ينبغي أن يعتقد وكأنه لا ريبة عنده في أنه الحق . ولما ذكر تعالى من ذكر من الأمم ومآل أمرهم من الإهلاك حين كذبوا الرسل كان ذلك مثالا لقريش ، فخاطب رسوله في شأنهم بقوله
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ
وهذا وعيد لهم حيث تقطعوا في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقائل هو شاعر ، وقائل ساحر ، وقائل به جنة كما تقطع من قبلهم من الأمم كما قال
أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
« 1 » . قال الكلبي
فِي غَمْرَتِهِمْ
في جهالتهم . وقال ابن بحر : في حيرتهم . وقال ابن سلام : في غفلتهم . وقيل : في ضلالتهم
حَتَّى حِينٍ
حتى ينزل بهم الموت . وقيل : حتى يأتي ما وعدوا به من العذاب . وقيل : هو يوم بدر . وقيل : هي منسوخة بآية السيف . وقرأ الجمهور
فِي غَمْرَتِهِمْ
وعليّ بن أبي طالب وأبو حيوة والسلمي في غمراتهم على الجمع لأن لكل واحد غمرة ، وعلى قراءة الجمهور فغمرة تعم إذا أضيفت إلى عام . وقال الزمخشري : الغمرة الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم ، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل ، قال الشاعر : كأني ضارب في غمرة لعب سلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخره انتهى . ثم وقفهم تعالى على خطأ رأيهم في أن نعمة اللّه عليهم بالمال ونحوه إنما هي لرضاه عن حالهم ، وبيّن تعالى أن ذلك إنما هو إملاء واستدراج إلى المعاصي واستجرار إلى زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعاجلة بالإحسان . وقرأ ابن وثاب إنما نمدهم بكسر الهمزة . وقرأ ابن كثير في رواية يمدهم بالياء ، وما في
أَنَّما
إما بمعنى الذي أو مصدرية أو كافة مهيئة إن كانت بمعنى الذي فصلتها ما بعدها ، وخبر إن هي الجملة من قوله
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
والرابط لهذه الجملة ضمير محذوف لفهم المعنى تقديره : نسارع لهم به في الخيرات ، وحسن حذفه استطالة الكلام مع أمن اللبس . وتقدم نظيره في قوله
أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ
وقال هشام بن معونة :
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : 51 / 53 .