تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
وبشر ، ثم ذكر أنه عالم بأحوال المكلفين لا يخفى عليه منهم شيء وإليه مرجع الأمور كلها . ولما ذكر تعالى أنه اصطفى رسلا من البشر إلى الخلق أمرهم بإقامة ما جاءت به الرسل من التكاليف وهو الصلاة قيل : كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود ، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود واتفقوا على مشروعية السجود في آخر آية
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ
« 1 » وأما في هذه الآية فمذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا يسجد فيها ، ومذهب الشافعي وأحمد أنه يسجد فيها وبه قال عمر وابنه عبد اللّه وعثمان وأبو الدرداء وأبو موسى وابن عباس
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
أي افردوه بالعبادة
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
قال ابن عباس : صلة الأرحام ومكارم الأخلاق ، ويظهر في هذا الترتيب أنهم أمروا أولا بالصلاة وهي نوع من العبادة ، وثانيا بالعبادة وهي نوع من فعل الخير ، وثالثا بفعل الخير وهو أعم من العبادة فبدأ بخاص ثم بعام ثم بأعم .
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ
أمر بالجهاد في دين اللّه وإعزاز كلمته يشمل جهاد الكفار والمبتدعة وجهاد النفس . وقيل : أمر بجهاد الكفار خاصة
حَقَّ جِهادِهِ
أي استفرغوا جهدكم وطاقتكم في ذلك ، وأضاف الجهاد إليه تعالى لما كان مختصا باللّه من حيث هو مفعول لوجهه ومن أجله ، فالإضافة تكون بأدنى ملابسة . قال الزمخشري : ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله : ويوم شهدناه سليما وعامرا انتهى . يعني بالظرف الجار والمجرور ، كأنه كان الأصل حق جهاد فيه فاتسع بأن حذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى الضمير . و
حَقَّ جِهادِهِ
من باب هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وعالم جدا . وعن مجاهد والكلبي أنه منسوخ بقوله
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
« 2 » .
هُوَ اجْتَباكُمْ
أي اختاركم لتحمل تكليفاته وفي قوله
هُوَ
تفخيم واختصاص ، أي هو لا غيره .
مِنْ حَرَجٍ
من تضييق بل هي حنيفية سمحة ليس فيها تشديد بني إسرائيل بل شرع فيها التوبة والكفارات والرخص . وانتصب
مِلَّةَ أَبِيكُمْ
بفعل محذوف ،
هامش
( 1 ) سورة الحج : 22 / 18 . ( 2 ) سورة التغابن : 64 / 16 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 539 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل