تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
أشد الساعة وأهوال يوم القيامة و
شَيْءٌ
هنا يدل على إطلاقه على المعدوم لأن الزلزلة لم تقع بعد ، ومن منع إيقاعه على المعدوم قال : جعل الزلزلة شيئا لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود . وذكر تعالى أهول الصفات في قوله
تَرَوْنَها
الآية لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها بعقولهم ليكون ذلك حاملا على تقواه تعالى إذ لا نجاة من تلك الشدائد إلّا بالتقوى . وروي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق فقرأهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا ، وكانوا من بين حزين باك ومفكر . والناصب ليوم
تَذْهَلُ
والظاهر أن الضمير المنصوب في
تَرَوْنَها
عائدا على الزلزلة لأنها المحدث عنها ، ويدل على ذلك وجود ذهول المرضعة ووضع الحمل هذا إذا أريد الحقيقة وهي الأصل ، ويكون ذلك في الدنيا . وعن الحسن
تَذْهَلُ
المرضعة عن ولدها لغير فطام
وَتَضَعُ
الحامل ما في بطنها لغير تمام . وقالت فرقة : الضمير يعود على
السَّاعَةِ
فيكون الذهول والوضع عبارة عن شدة الهول في ذلك اليوم ، ولا ذهول ولا وضع هناك كقولهم : يوم يشيب فيه الوليد . وجاء لفظ
مُرْضِعَةٍ
دون مرضع لأنه أريد به الفعل لا النسب ، بمعنى ذات رضاع . وكما قال الشاعر : كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد ، والظاهر أن ما في قوله
عَمَّا أَرْضَعَتْ
بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي أرضعته ، ويقويه تعدي وضع إلى المفعول به في قوله
حَمْلَها
لا إلى المصدر . وقيل : ما مصدرية أي عن إرضاعها . وقال الزمخشري : المرضعة هي التي في حال الإرضاع تلقم ثديها الصبي ، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به . فقيل
مُرْضِعَةٍ
ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة ، وخص بعض نحاة الكوفة أم الصبيّ بمرضعة والمستأجرة بمرضع وهذا باطل بقول الشاعر : كمرضعة أولاد أخرى وضيعت البيت فهذه
مُرْضِعَةٍ
بالتاء وليست أمّا للذي ترضع . وقول الكوفيين إن الوصف الذي يختص بالمؤنث لا يحتاج فيه إلى التاء لأنها إنما جيء بها للفرق مردود بقول العرب مرضعة وحائضة وطالقة .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 481 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل