تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
الأدلة ويعملوا بمقتضاها ويتركوا طريقة الشرك ، وأطلق الإيمان على سببه وقد انتظمت هذه الآية دليلين من دلائل التوحيد وهي من الأدلة السماوية والأرضية . ثم ذكر دليلا آخر من الدلائل الأرضية فقال :
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ
وتقدم شرح نظير هذه الجملة في سورة النحل
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا
وهذا دليل رابع من الدلائل الأرضية ، والظاهر أن الضمير في
فِيها
عائد على الأرض . وقيل يعود على الرواسي ، وجاء هنا تقديم
فِجاجاً
على قوله
سُبُلًا
وفي سورة نوح
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً
« 1 » . فقال الزمخشري : وهي يعني
فِجاجاً
صفة ولكن جعلت حالا كقوله : لمية موحشا طلل يعني أنها حال من سبل وهي نكرة ، فلو تأخر
فِجاجاً
لكان صفة كما في تلك الآية ولكن تقدم فانتصب على الحال قال : فإن قلت : ما الفرق بينهما من جهة المعنى ؟ قلت : وجهان أحدهما إعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة ، والثاني بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة انتهى . يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفا به حالة الإخبار عنه ، وإن كان الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه ، ألا ترى أنه يقال : مررت بوحشي القاتل حمزة ، فحالة المرور لم يكن قائما به قتل حمزة ، وأما الحال فهي هيئة ما تخبر عنه حالة الإخبار
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
في مسالكهم وتصرّفهم . وما رفع وسمك على شيء فهو سقف . قال قتادة : حفظ من البلى والتغير على طول الدهر . وقيل : حفظ من السقوط لإمساكه من غير علاقة ولا عماد . وقيل : حفظ من الشرك والمعاصي . وقال الفراء : حفظ من الشياطين بالرجوم . وعن ابن عباس : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نظر إلى السماء فقال : « إن السماء سقف مرفوع وموج مكفوف يجري كما يجري السهم محفوظا من الشياطين » وإذا صح هذا الحديث كان نصا في معنى الآية .
وَهُمْ عَنْ آياتِها
أي عن ما وضع اللّه فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات ومسايرها وطلوعها وغروبها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة . وقرأ الجمهور
عَنْ آياتِها
بالجمع . وقرأ مجاهد وحميد عن آيتها بالإفراد ، فيجوز أنه جعل الجعل أو السقف أو الخلق أي خلق السماء آية واحدة
هامش
( 1 ) سورة نوح : 71 / 20 .