تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
لأنه مصدر موصول ولا يتقدم معموله عليه ، وأيضا فالتوكيد يكون متأخرا عن المؤكد وأيضا فلو أخر في هذا التركيب لم يصح . وأما تشبيهه بما أورد سيبويه فالفرق واضح لأن عليك معمول لحريص ، وعليك الثانية متأخرة توكيدا وكذلك فيك زيد راغب فيك يتعلق فيك براغب ، وفيك الثانية توكيد ، وإنما غره في ذلك صحة تركيب حساب الناس . وكذلك أزف رحيل الحي فاعتقد إذا تقدّم الظاهر مجرورا باللام وأضيف المصدر لضميره أنه من باب فيك زيد راغب فيك وليس مثله ، وأمّا لا أبا لك فهي مسألة مشكلة وفيها خلاف ، ويمكن أن يقال فيها ذلك لأن اللام جاورت الإضافة ولا يقاس على مثلها غيرها لشذوذها وخروجها عن الأقيسة ، وقد أمعنّا الكلام عليها في شرح التسهيل والواو في
وَهُمْ
واو الحال . وأخبر عنهم بخبرين ظاهرهما التنافي لأن الغفلة عن الشيء والإعراض عنه متنافيان ، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين أخبر عنهم أولا أنهم لا يتفكرون في عاقبة بل هم غافلون عما يؤول إليه أمرهم . ثم أخبر عنهم ثانيا أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسئ أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك ، والذكر هنا ما ينزل من القرآن شيئا بعد شيء . وقيل المراد بالذكر أقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره ووصفه بالحدوث إذا كان القرآن لنزوله وقتا بعد وقت . وسئل بعض الصحابة عن هذه الآية فقال محدث النزول محدث المقول . وقال الحسن بن الفضل : المراد بالذكر هنا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
وقال :
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا
« 1 » وقد احتجت المعتزلة على حدوث القرآن بقوله
مُحْدَثٍ
وهي مسألة يبحث فيها في علم الكلام . وقرأ الجمهور
مُحْدَثٍ
بالجر صفة لذكر على اللفظ ، وابن أبي عبلة بالرفع صفة لذكر على الموضع ، وزيد بن عليّ بالنصب على الحال
مِنْ ذِكْرٍ
إذ قد وصف بقوله
مِنْ رَبِّهِمْ
ويجوز أن يتعلق
مِنْ رَبِّهِمْ
بيأتيهم . و
اسْتَمَعُوهُ
جملة حالية وذو الحال المفعول في
ما يَأْتِيهِمْ
وَهُمْ يَلْعَبُونَ
جملة حالية من ضمير
اسْتَمَعُوهُ
و
لاهِيَةً
حال من ضمير
يَلْعَبُونَ
أو من ضمير
اسْتَمَعُوهُ
فيكون حالا بعد حال ، واللاهية من قول العرب لهى عنه إذا ذهل وغفل يلهى لهيا ولهيانا ، أي وإن فطنوا لا يجدي ذلك لاستيلاء الغفلة والذهول وعدم التبصر بقلوبهم . وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى
لاهِيَةً
بالرفع على أنه خبر بعد خبر لقوله
وَهُمْ
.
هامش
( 1 ) سورة الطلاق : 65 / 10 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 407 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل