تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
أخبرهما بقوله
جَمِيعاً
أن إبليس والحية مهبطان معهما ، وأخبرهما أن العداوة بينهم وبين أنسالهم إلى يوم القيامة انتهى . ولا يدل قوله
جَمِيعاً
أن إبليس والحية يهبطان معهما لأن
جَمِيعاً
حال من ضمير الاثنين أي مجتمعين ، والضمير في
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
ضمير جمع . قيل : يريد إبليس وبنيه وآدم وبنيه . وقيل : أراد آدم وذريته ، فالعداوة واقعة بينهم والبغضاء لاختلاف الأديان وتشتت الآراء . وقيل : آدم وإبليس والحية . وقال أبو مسلم الأصبهاني : الخطاب لآدم عليه السلام ولكونهما جنسين صح قوله
اهْبِطا
ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
. وقال الزمخشري : لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلي البشر والسببين اللذين منهما نشئوا وتفرعوا جعلا كأنهما البشر في أنفسهما فخوطبا مخاطبتهم ، فقيل
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
على لفظ الجماعة ، ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب وهو في الحقيقة للمسبب انتهى . و
هُدىً
شريعة اللّه . وعن ابن عباس ضمن اللّه لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
« 1 » والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين ، فمن اتبع كتاب اللّه وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه . وعن ابن جبير من قرأ القرآن واتبع ما فيه عصمه اللّه من الضلالة ووقاه سوء الحساب . وقال أبو عبد اللّه الرازي : وهذه الآية تدل على أن المراد بالهدى الذي ذكره اللّه تعالى اتباع الأدلة واتباعها لا يتكامل إلّا بأن يستدل بها ، وبأن يعمل بها ، ومن هذه حاله فقد ضمن تعالى أن لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة . وقيل
فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
في الدنيا . فإن قيل : المنعم بهدى اللّه قد يلحقه الشقاء في الدنيا . قلنا : المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل بسبب آخر فلا بأس انتهى . ولما ذكر تعالى من اتبع الهدى أتبعه بوعيد من أعرض عن ذكره ، والذكر يقع على القرآن وعلى سائر الكتب الإلهية . وضنك : مصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع ، والمعنى النكد الشاق من العيش والمنازل ومواطن الحرب ربحوها . ومنه قول عنترة :
إن المنية لو تمثل مثلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
هامش
( 1 ) سورة طه : 20 / 123 .