تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
. وقيل : مراده من السؤال عنها لم عبدت الأصنام ولم تعبد اللّه إن كان الحق ما وصفت ؟ وقيل : مراده ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى فقال
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
فأجابه بأن هذا سؤال عن الغيب وقد استأثر اللّه به لا يعلمه إلّا هو . وقال النقاش : إنما سأل لما سمع وعظ مؤمن آل فرعون
يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ
« 1 » الآية فرد علم ذلك إلى اللّه لأنه لم يكن نزلت عليه التوراة . وقيل لما قال
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
قال فرعون
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا . وقيل : لما قرر أمر المبدأ والدلالة القاطعة على إثبات الصانع قال فرعون : إن كان ما ذكرت في غاية الظهور فما بال القرون الأولى نسوه وتركوه ، فلو كانت الدلالة واضحة وجب على القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها . فعارض الحجة النقلية ، ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة اللّه بكل شيء وتبينه لكل معلوم فتعنت وقال : ما تقول في سوالف القرون وتمادي كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم ، فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه وهو مثبت عنده
فِي كِتابٍ
ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل ، أي
لا يَضِلُّ
كما تضل أنت
وَلا يَنْسى
كما تنسى يا مدّعي الربوبية بالجهل والوقاحة قاله الزمخشري . والظاهر عود الضمير في
عِلْمُها
إلى
الْقُرُونِ الْأُولى
أي مكتوب عند ربي في اللوح المحفوظ لا يجوز عليه أن يخطئ شيئا أو ينساه ، يقال : ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه ، وضللته لغتان فلم يهتد إليه كقولك : ضللت الطريق والمنزل ولا يقال أضللته إلّا إذا ضاع منك كالدابة إذا انفلتت وشبهها قاله الفراء . وقال الزجاج : ضللته أضله إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو ، وأضللته والكتاب هنا اللوح المحفوظ . وقيل
فِي كِتابٍ
فيما كتبته الملائكة من أحوال البشر . وقيل : الضمير في
عِلْمُها
عائد على القيامة لأنه سأله عن بعث الأمم . وقال السدّي
لا يَضِلُّ
لا يغفل . وقال ابن عيسى
لا يَضِلُّ
لا يذهب عليه تقول العرب ضل منزله بغير ألف . وفي الحيوان أضل بعيره بالألف . وقيل : التقدير
لا يَضِلُّ رَبِّي
الكتاب
وَلا يَنْسى
ما فيه قاله مقاتل . وقال القفال
لا يَضِلُّ
عن معرفة الأشياء فيحيط بكل المعلومات
وَلا يَنْسى
إشارة إلى بقاء ذلك العلم أبد الآباد على حاله لا يتغير . وقال الحسن : لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه .
هامش
( 1 ) سورة غافر : 40 / 30 .