تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ *
« 1 » والشقاء يجيء في معنى التعب ومنه المثل : أتعب من رائض مهر . وأشقى من رائض مهر . قال الزمخشري : أي ما عليك إلّا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة انتهى . وقيل : أريد رد ما قاله أبو جهل وغيره مما تقدم ذكره في سبب النزول . و
لِتَشْقى
و
تَذْكِرَةً
علة لقوله
ما أَنْزَلْنا
وتعدى في
لِتَشْقى
باللام لاختلاف الفاعل إذ ضمير
ما أَنْزَلْنا
هو للّه ، وضمير
لِتَشْقى
للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولما اتحد الفاعل في
أَنْزَلْنا
و
تَذْكِرَةً
إذ هو مصدر ذكر ، والمذكر هو اللّه وهو المنزل تعدى إليه الفعل فنصب على أن في اشتراط اتحاد الفاعل خلافا والجمهور يشترطونه . وقال الزمخشري : فإن قلت : أما يجوز أن تقول : ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى كقوله
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
« 2 » قلت : بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ
« 3 » وأما النصبة في
تَذْكِرَةً
فهي كالتي في ضربت زيد لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها انتهى . وليس كون أن تشقى إذا حذف الجار منصوبا متفقا عليه بل في ذلك خلاف . أهو منصوب تعدى إليه الفعل بعد إسقاط الحرف أو مجرور بإسقاط الجار وإبقاء عمله ؟ وقال ابن عطية :
إِلَّا تَذْكِرَةً
يصح أن ينصب على البدل من موضع
لِتَشْقى
ويصح أن ينصب بإضمار فعل تقديره لكن أنزلناه تذكرة انتهى . وقد ردّ الزمخشري تخريج ابن عطية الأول فقال : فإن قلت : هل يجوز أن يكون
تَذْكِرَةً
بدلا من محل
لِتَشْقى
؟ قلت : لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلّا فيه بمعنى لكن انتهى . ويعني باختلاف الجنسين أن نصب
تَذْكِرَةً
نصبة صحيحة ليست بعارضة والنصبة التي تكون في
لِتَشْقى
بعد نزع الخافض نصبة عارضة والذي نقول أنه ليس له محل البتة فيتوهم البدل منه . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون المعنى إنا أنزلنا إليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة و
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ
هذا المتعب الشاق
إِلَّا
ليكون
تَذْكِرَةً
وعلى هذا
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 18 / 6 . ( 2 ) سورة الحجرات : 49 / 2 . ( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 155 .