تهديد وهو قوله
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً
بخفيات أسرارهم
بَصِيراً
مطلقا على ما يظهر من أفعالهم وأقوالهم . والظاهر أن قوله :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ
إخبار من اللّه تعالى وليس مندرجا تحت
قُلْ
لقوله
وَنَحْشُرُهُمْ
ويحتمل أن يكون مندرجا لمجيء
وَمَنْ
بالواو ، ويكون
وَنَحْشُرُهُمْ
إخبارا من اللّه تعالى . وعلى القول الأول يكون التفاتا إذ خرج من الغيبة للتكلم ، ولما تقدم دعوة الرسول إلى الإيمان وتحدى بالمعجز الذي آتاه اللّه ، ولجّوا في كفرهم وعنادهم ولم يجد فيهم ما جاء به من الهدى أخبر بأن ذلك كله راجع إلى مشيئته تعالى وأنه هو الهادي وهو المفضل ، فسلاه تعالى بذلك وأخبر تعالى على سبيل التهديد لهم والوعيد الصدق لحالهم وقت حشرهم يوم القيامة .
وقال الزمخشري :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ
ومن يوفقه ويلطف به
فَهُوَ الْمُهْتَدِي
لأنه لا يلطف إلّا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه
وَمَنْ يُضْلِلْ
ومن يخذل
فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ
أنصارا انتهى . وهو على طريقة الاعتزال ومن مفعول بيهد وبيضلل ، وحمل على اللفظ في قوله
فَهُوَ الْمُهْتَدِي
فأفرد ملاحظة لسبيل الهدى وهي واحدة فناسب التوحيد التوحيد ، وحمل على المعنى في قوله
فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ
لا على اللفظ ملاحظة لسبيل الضلال فإنها متشعبة متعددة فناسب التشعيب والتعديد الجمع ، وهذا من المواضع التي جاء فيها الحمل على المعنى ابتداء من غير أن يتقدّم الحمل على اللفظ وهي قليلة في القرآن ، والظاهر أن قوله
عَلى وُجُوهِهِمْ
حقيقة كما قال تعالى
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
« 1 » الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم . وفي هذا
حديث قيل :
يا رسول اللّه كيف يمشي الكافر على وجهه ؟ قال : « أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجلين قادرا أن يمشيه في الآخرة على وجهه » .
قال قتادة : بلى وعزة ربنا . وقيل :
عَلى وُجُوهِهِمْ
مجاز يقال للمنصرف عن أمر خائبا مهموما انصرف على وجهه ، ويقال للبعير كأنما يمشي على وجهه . وقيل : هو مجاز عن سحبهم على وجوههم على سرعة من قول العرب قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا .
والظاهر أن قوله
عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
هو حقيقة وذلك عند قيامهم من قبورهم ، ثم يرد اللّه إليهم أبصارهم وسمعهم ونطقهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى اللّه عنهم . وقيل : هي استعارات إما لأنهم من الحيرة والذهول يشبهون أصحاب هذه
هامش
( 1 ) سورة القمر : 54 / 48 .