يوم جالسا في - الرحبة - والناس حوله مجتمعون ، فقام إليه رجل فقال : يا
أمير المؤمنين ! أنت بالمكان الذي أنزلك الله به وأبوك معذب في
النار ؟
فقال له علي بن أبي طالب : مه ، فض الله فاك ، والذي بعث محمدا بالحق
نبيا لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم ، أبي
معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار ؟ ! !
والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نور أبي يوم القيامة ليطفئ أنوار
الخلائق كلهم إلا خمسة أنوار : نور محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ،
ونوري ، ونور الحسن ، ونور الحسين ، ونور تسعة من ولد الحسين ، فإن نوره من
نورنا خلقه الله تعالى قبل أن يخلق آدم _ عليه السلام _ بألفي عام ( 1 )
هامش
( 1 ) احتجاج الطبرسي : 340 ، البحار : 9 / 15 ، وذكر له مصدرين هما : الاحتجاج ،
والثاني : أمالي ابن الشيخ بهذا السند : عن الحسين بن عبيد الله ، عن هارون
بن موسى ، عن محمد بن همام ، عن علي بن الحسين الهمداني ، عن محمد بن
البرقي ، عن محمد بن سنان ، عن المفضل بن عمر ، عن الصادق _ عليه السلام _ ،
عن آبائه _ عليهم السلام _ . . . الخ .
وذكره الامام شمس الدين أبي علي فخار بن معد الموسوي في كتابه الجليل
الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : 15 فقال : وبالإسناد عن الشيخ أبي
الفتح الكراجكي - رحمه الله - قال : حدثنا الشيخ الفقيه أبو الحسن محمد
بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان القمي - رضي الله عنه - قال : حدثني
القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان بن عبد الله النصيبي في داره ، قال :
حدثنا جعفر بن محمد العلوي ، قال : حدثنا عبيد الله أحمد قال : حدثنا
محمد بن زياد ، قال : حدثنا مفضل ابن عمر ، عن جعفر بن محمد الصادق _
عليهم السلام _ ، عن أبيه ، عن آبائه - عليهم السلام - . . . الخ ، المناقب
المائة للشيخ أبي الحسن بن شاذان ، كنز الكراجكي : 80 ، أمالي ابن الشيخ : 192 ،
تفسير أبي الفتوح : 4 / 211 ، الدرجات الرفيعة ، ضياء العالمين ، تفسير البرهان :
3 / 794 .
شيخ البطحاء ، ورئيس مكة ، وشيخ قريش ، أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف ، عم الرسول وكافله ، وأبو الأئمة ( سلام الله عليهم أجمعين ) .
كان أبو طالب _ عليه السلام _ شيخا وسيما جسيما ، عليه بهاء الملوك
ووقار الحكماء ، وكانت قريش تسميه : الشيخ ، وكانوا يهابونه ، ويخافون
سطوته ، وكانوا يتجنبون أذية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
في أيامه ، فلما توفي ( سلام الله عليه ) ، اجتروا عليه واضطر إلى
الهجرة من وطنه مكة المكرمة إلى المدينة المنورة .
قيل لأكثم بن صيفي - حكيم العرب - : ممن تعلمت الحكمة والرياسة ، والحلم
والسيادة ؟ قال : من حليف الحلم والأدب ، سيد العجم والعرب ، أبو طالب بن عبد
المطلب .
وجرى ذات يوم كلام خشن بين معاوية بن أبي سفيان وصعصعة وابن الكواء ، فقال
معاوية : لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب لقتلتكم وهو :
قابلت جهلهم حلما ومغفرة * والعفو عن قدرة ضرب من الكرم
وكان ( سلام الله عليه ) مستودعا للوصايا فدفعها إلى رسول الله _ صلى
الله عليه وآله وسلم _ ، وهو الذي كفله وحماه من قريش ودافع عنه .
روى عن فاطمة بنت أسد : أنه لما ظهر امارة وفاة عبد المطلب قال لأولاده :
من يكفل محمدا ؟ قالوا : هو أكيس منا ، فقل له يختار لنفسه ، فقال عبد
المطلب : يا محمد ! جدك على جناح السفر إلى القيامة ، أي عمومتك وعماتك تريد
أن يكفلك ؟ فنظر في وجوههم ثم زحف إلى عند أبي طالب ، فقال له عبد المطلب :
يا أبا طالب ! إني قد عرفت ديانتك وأمانتك ، فكن له كما كنت له .
كانت لأبي طالب _ عليه السلام _ مواقف في موازرة الرسول _ صلى الله عليه
وآله وسلم _ ، ومقاومته المشركين ، وله كثير من أمثالها في دفاعه عن محمد ،
وعن دين محمد ، وعن قرآن محمد ، وعن أتباع محمد .
فهلا يأخذك العجب بعد اطلاعك على هذا وشبهه من أقوال أبي طالب وأفعاله ،
ألا تستغرب بعد هذا لو سمعت بعصابة أثرت فيها الروح الأموية الخبيثة ،
فدفعها خبث عنصرها ، ورداءة نشأتها ، وجرها الحقد إلى القول بأن أبا طالب _
عليه السلام _ مات كافرا ! ! ! وإن تعجب فعجب قولهم : أبو طالب يموت
كافرا ؟ ! ! ! .
أبو طالب الذي يقول :
ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا
يموت كافرا ؟ ! ! !
أبو طالب الذي يقول :
ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدى مثل ما أتيا به * فكل بأمر الله يهدي ويعصم
يا لله ويا للعجب قائل هذا يموت كافرا ؟ ! ! !
أبو طالب الذي يقول :
ألا تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب
ويقول مخاطبا رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
أنت النبي محمد * قرم أغر مسود
وهو الذي يقول :
لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
ويقول :
قل لمن كان في كنانة في العز * وأهل الندى وأهل المعالي
قد أتاكم من المليك رسول * فاقبلوه بصالح الاعمال
ويقول :
فخير بني هاشم أحمد * رسول الاله على فترة
ويقول :
إن ابن آمنة النبي محمد * عندي بمنزلة من الأولاد
ويقول :
صدق ابن آمنة النبي محمد * فتميزوا غيظا به وتقطعوا
إن ابن آمنة النبي محمد * سيقوم بالحق الجلي ويصدق
أبو طالب الذي يقول :
يا شاهد الله علي فاشهد * آمنت بالواحد رب أحمد
من ظل في الدين فإني مهتدي
كل هذا وأبو طالب مات كافرا ! ! !
إذا كان الايمان بالتوحيد والاقرار بنبوة محمد لا تكفي في إيمان
الرجل ، ويكون معتقدها والمقر بها كافرا ، فما هو الاسلام اذن ؟ ! !
إذا كان الذب عن رسول الله والاعتراف بنبوته كفرا فما هو الاسلام ؟
طبعا يقول لسان حال تلك العصابة في الجواب : الايمان أن تتمكن في نفسك
مبادئ أبي سفيان ، وتأمن بالذي يحلف به أبو سفيان ، وتقول كما قال : ما من
جنة ولا نار .
أسمعت هذا وبعد فهلا ترفع يدك إلى الدعاء وتقول معي : اللهم ! ادخلني
النار التي يقطن فيها علي بن أبي طالب ، واجعلني في الضحضاح الذي فيه أبو
طالب ، ولا تدخلني الجنة التي يدخل فيها أبو سفيان ، ومعاوية بن أبي سفيان ،
ويزيد بن معاوية ، فسلام على تلك النار ، ولعنة الله على هذه الجنة .
ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين شخصا فقاما
فذاك بمكة آوى وحامي * وذاك بيثرب خاض الحماما
فلله ذا فاتحا للهدى * ولله ذا للمعالي ختاما