تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
في صفة الشهيد من أنفسهم ، وهذا بعيد لمقابلته بقوله : وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ، فيقتضي المقابلة أنّ الشهداء على الأمم أنبياؤهم كرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ونزلنا استئناف إخبار ، وليس داخلا مع ما قبله لاختلاف الزمانين . لما ذكر ما شرفه اللّه به من الشهادة على أمته ، ذكر ما أنزل عليه مما فيه بيان كل شيء من أمور الدين ، ليزيح بذلك علتهم فيما كلفوا ، فلا حجة لهم ولا معذرة . والظاهر أنّ تبيانا مصدر جاء على تفعال ، وإن كان باب المصادر أن يجيء على تفعال بالفتح كالترداد والتطواف ، ونظير تبيان في كسر تائه تلقاء . وقد جوّز الزجاج فتحه في غير القرآن . وقال ابن عطية : تبيانا اسم وليس بمصدر ، وهو قول أكثر النحاة . وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين : أنه مصدر ولم يجئ على تفعال من المصادر إلا ضربان : تبيان وتلقاء . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : كيف كان القرآن تبيانا لكل شيء ؟ ( قلت ) : المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين حيث كان نصا على بعضها وإحالة على السنة ، حيث أمر فيه باتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وطاعته . وقيل :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
« 1 » وحثا على الإجماع في قوله
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
وقد رضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته اتباع أصحابه ، والاقتداء بآثارهم في قوله : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقد اجتهدوا ، وقاسوا ، ووطئوا طرق القياس والاجتهاد ، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبيين الكتاب ، فمن ثم كان تبيانا لكل شيء . وقوله : وقد رضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قوله : اهتديتم ، لم يقل ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم في رسالته في إبطال الرأي ، والقياس ، والاستحسان ، والتعليل ، والتقليد ما نصه : وهذا خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط ، وذكر إسناده إلى البزار صاحب المسند قال : سألتم عما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مما في أيدي العامة ترويه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : إنما مثل أصحابي كمثل النجوم أو كالنجوم ، بأيها اقتدوا اهتدوا . وهذا كلام لم يصح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمي ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم ، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه . والكلام أيضا منكر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يثبت ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه ، هذا نص
هامش
( 1 ) سورة النجم : 53 / 3 .