بحيث يشك هل هي كلمح البصر ؟ أو هي أقرب من ذلك ؟ فأو على هذا على بابها في الشك . وقيل : هي للتخيير انتهى . والشك والتخيير بعيدان ، لأنّ هذا إخبار من اللّه تعالى عن أمر الساعة ، فالشك مستحيل عليه . ولأنّ التخيير إنما يكون في المحظورات كقولهم :
خذ من مالي دينارا أو درهما ، أو في التكليفات كآية الكفارات :
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ
« 1 » وأو هنا للإبهام على المخاطب كقوله :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
« 2 » وقوله :
أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً
« 3 » وهو تعالى قد علم عددهم ، ومتى يأتيها أمره ، كما علم أمر الساعة ، لكنه أبهم على المخاطب . وكون أو هنا للإبهام ذكره الزجاج هنا . وقال القاضي : هذا لا يصح ، لأنّ إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال : إنه تعالى يأتي بها في زمان يعني القاضي فيكون الإبهام على المخاطب في ذلك الزمان ، وليس زمان تكليف . والذي نقوله :
إن الإبهام وقع وقت الخطاب المتقدم على أمر الساعة ، لا وقت الإتيان بها . وليس من شرط الإبهام على المخاطب في الإخبار عن شيء اتحاد زمان الإخبار وزمان وقوع ذلك الشيء ، ألا ترى في قوله تعالى :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
« 4 » كيف تأمر زمان الإخبار عن زمان وقوع ذلك الإرسال ، ووجودهم مائة ألف أو يزيدون . وقال أبو عبد اللّه الرازي : لمح البصر انتقال الجسم بالطرف من أعلى الحدقة ، وهي مؤلفة من أجزاء وتلك الأجزاء كثيرة ، والزمان الذي يحصل فيه للمح مركب من آناء متعاقبة ، واللّه تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآناء ، فلذلك قال :
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
« 5 » ولما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا هو لمح البصر ذكره ، ثم قال : أو هو أقرب تنبيها على ما ذكرناه ، وليس المراد طريقة الشك ، والمراد بل هو أقرب انتهى . وفيه بعض تلخيص . وما ذكره من أنّ أو بمعنى بل ، هو قول الفراء ، ولا يصح لأنّ الإضراب على قسمين كلاهما لا يصح هنا . أما أحدهما : فإن يكون إبطالا للإسناد السابق ، وأنه ليس هو المراد ، وهذا مستحيل هنا ، لأنه يؤول إلى إسناد غير مطابق . والثاني : أن يكون انتقالا من شيء إلى شيء من غير إبطال لذلك الشيء السابق ، وهذا مستحيل هنا للتنافي الذي بين الإخبار بكونه مثل لمح البصر في السرعة ، والإخبار بالأقربية ، فلا يمكن صدقهما معا . وقال
هامش
( 1 ) سورة المجادلة : 58 / 2 .
( 2 ) سورة الصافات : 37 / 147 .
( 3 ) سورة يونس : 10 / 24 .
( 4 ) سورة الصافات : 37 / 147 .
( 5 ) سورة النحل : 16 / 77 .