تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
السَّماءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
: كرر النداء للتضرع والالتجاء ، ولا يظهر تفاوت بين إضافة رب إلى ياء المتكلم ، وبين إضافته إلى جمع المتكلم ، وما نخفي وما نعلن عام فيما يخفونه وما يعلنونه . وقيل : ما نخفي من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة ، وما نعلن من البكاء والدعاء . و قيل : ما نخفي من كآبة الافتراق ، وما نعلن مما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع : إلى من تكلنا ؟ قال : إلى اللّه أكلكم . قالت : آللّه أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : لا نخشى تركتنا إلى كاف . والظاهر أنّ قوله : وما يخفى على اللّه من شيء في الأرض ولا في السماء ، من كلام إبراهيم لاكتناف ما قبله وما بعده بكلام إبراهيم . لما ذكر أنه تعالى عمم ما يخفى هو ومن كنى عنه ، تمم جميع الأشياء ، وأنها غير خافية عنه تعالى . وقيل : وما يخفى الآية من كلام اللّه عزّ وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
« 1 » والظاهر أن هذه الجمل التي تكلم بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم تقع منه في زمان واحد ، وإنما حكى اللّه عنه ما وقع في أزمان مختلفة ، يدل على ذلك أن إسحاق لم يكن موجودا حالة دعائه ، إذ ترك هاجر والطفل بمكة . فالظاهر أنّ حمده اللّه تعالى على هبة ولديه له كان بعد وجود إسحاق ، وعلى الكبر يدل على مطلق الكبر ، ولم يتعرض لتعيين المدة التي وهب له فيها ولداه . وروي أنه ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وولد له إسحاق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة . وقيل : إسماعيل لأربع وستين ، وإسحاق لتسعين . وعن ابن جبير : لم يولد له إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة . وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة فيها بهبة الولد أعظم من حيث أنّ الكبر مظنة اليأس من الولد ، فإنّ مجيء الشيء بعد الإياس أحلى في النفس وأبهج لها . وعلى الكبر في موضع الحال لأنه قال : وأنا كبير ، وعلى على بابها من الاستعلاء لكنه مجاز ، إذ الكبر معنى لا جرم يتكون ، وكأنه لما أسنّ وكبر صار مستعليا على الكبر . وقال الزمخشري : على في قوله على الكبر بمعنى مع ، كقوله :
إني على ما ترين من كبري * أعلم من حيث يؤكل الكتف
وكنى بسميع الدعاء عن الإجابة والتقبل ، وكان قد دعا اللّه أن يهبه ولدا بقوله :
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 74 .