والمناسب من هذه الأقوال هو الأول . ولم يذكر الزمخشري إلا ما هو قريب منه قال : نأتي الأرض أرض الكفر ننقصها من أطرافها بما يفتح على المسلمين من بلادهم ، فينقص دار الحرب ، ويزيد في دار الإسلام ، وذلك من آيات الغلبة والنصرة . ونحوه :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
« 1 »
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ
« 2 » والمعنى : عليك بالبلاغ الذي حملته ، ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ، ونتم ما وعدناك من الظفر ، ولا يضجرك تأخره ، فإنّ ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ، ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظفر . ويتجه قول من قال : النقص بموت الأشراف والعلماء والخيار وتقريره : أو لم يروا أنا نحدث في الدنيا من الاختلافات خرابا بعد عماره ، وموتا بعد حياة ، وذلا بعد عز ، ونقصا بعد كمال ، وهذه تغييرات مدركة بالحس . فما الذي يؤمنهم أن يقلب اللّه الأمر عليهم ويصيرون ذليلين بعد أن كانوا قاهرين .
وقرأ الضحاك : ننقصها مثقلا ، من نقص عداه بالتضعيف من نقص اللازم ، والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله ، وحقيقته الذي يعقبه أي : بالرد والإبطال ، ومنه قيل لصاحب الحق : معقب ، لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب . قال لبيد :
طلب المعقب حقه المظلوم والمعنى : أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال ، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس . وقيل :
تتعقب أحكامه أي : ينظر في أعقابها أمصيبة هي أم لا ، والجملة من قوله : لا معقب لحكمه في موضع الحال أي : نافذ حكمه ، وهو سريع الحساب تقدم الكلام على مثل هذه الجملة . ثم أخبر تعالى أن الأمم السابقة كان يصدر منهم المكر بأنبيائهم كما فعلت قريش ، وأنّ ذلك عادة المكذبين للرسل ، مكر بإبراهيم نمروذ ، وبموسى فرعون ، وبعيسى اليهود ، وجعل تعالى مكرهم كلا مكر إذ أضاف المكر كله له تعالى . ومعنى مكره تعالى عقوبته إياهم ، سماها مكرا إذ كانت ناشئة عن المكر وذلك على سبيل المقابلة كقوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
« 3 » ثم فسر قوله : فللّه المكر ، بقوله : يعلم ما تكسب كل نفس ، والمعنى : يجازي كل نفس بما كسبت . ثم هدد الكافر بقوله : وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ، إذ يأتيه العذاب من حيث هو في غفلة عنه ، فحينئذ يعلم لمن هي العاقبة المحمودة .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 44 .
( 2 ) سورة فصلت : 41 / 53 .
( 3 ) سورة البقرة : 2 / 15 .