تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وارتفع سلام على الابتداء ، وعليكم الخبر ، والجملة محكية بقول محذوف أي : يقولون سلام عليكم . والظاهر أن قوله تعالى : سلام عليكم تحية الملائكة لهم ، ويكون قوله تعالى : بما صبرتم ، خبر مبتدأ محذوف أي : هذا الثواب بسبب صبركم في الدنيا على المشاق ، أو تكون الباء بمعنى بدل أي : بدل صبركم أي : بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ، هذه الملاذ والنعم . وقيل : سلام جمع سلامة أي : إنما سلمكم اللّه تعالى من أهوال يوم القيامة بصبركم في الدنيا . وقال الزمخشري : ويجوز أن يتعلق بسلام أي : يسلم عليكم ويكرمكم بصبركم ، والمخصوص بالمدح محذوف أي : فنعم عقبى الدار الجنة من جهنم ، والدار : تحتمل الدنيا وتحتمل الآخرة . وقالت فرقة : المعنى أن عقبوا الجنة من جهنم . قال ابن عطية : وهذا التأويل مبني على حديث ورد وهو : « أن كل رجل في الجنة قد كان له مقعد معروف في النار ، فصرفه اللّه تعالى عنه إلى النعيم فيعرض عليه ويقال له : هذا مكان مقعدك ، فبدّلك اللّه منه الجنة بإيمانك وطاعتك وصبرك » انتهى . ولما كان الصبر هو الذي نشأ عنه تلك الطاعات السابقة ، ذكرت الملائكة أن النعيم السرمدي إنما هو حاصل بسبب الصبر ، ولم يأت التركيب بالإيفاء بالعهد ، ولا بغير ذلك .
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
: قال مقاتل نزلت : والذين ينقضون في أهل الكتاب . وقال ابن عباس : نزلت اللّه يبسط في مشركي مكة ، ولما ذكر تعالى حال السعداء وما ترتب لهم من الأمور السنية الشريفة ، ذكر حال الأشقياء وما ترتب لهم من الأمور المخزية . وتقدم تفسير الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل الآية في أوائل البقرة « 1 » وترتب للسعداء هناك التصريح بعقبى الدار وهي الجنة ، وإكرام الملائكة لهم بالسلام ، وذلك غاية القرب والتأنيس . وهنا ترتب للأشقياء الإبعاد من رحمة اللّه . وسوء الدار أي : الدار السوء وهي النار ، وسوء عاقبة الدار ، وتكون دار الدنيا . ولما كان كثير من الأشقياء فتحت عليهم نعم الدنيا ولذاتها أخبر تعالى أنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، والكفر والإيمان لا تعلق لهما بالرزق . قد يقدر على المؤمن ليعظم أجره ، ويبسط للكافر إملاء لازدياد آثامه . ويقدر مقابل يبسط ، وهو التضييق من قوله :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 27 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 383 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل