تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وعاقبته ، فلحق من ذلك عقاب وخسران . وأما بأن عذابهم على الكفر يزاد به عذاب على مجرد عبادة الأوثان .
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ . يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
: أي ومثل ذلك الأخذ أخذ اللّه الأمم السابقة أخذ ربك . والقرى عام في القرى الظالمة ، والظلم يشمل ظلم الكفر وغيره . وقد يمهل اللّه تعالى بعض الكفرة . وأما الظلمة في الغالب فمعاجلون ، وفي الحديث : « إن اللّه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذا . وقرأ أبو رجاء والجحدري : وكذلك أخذ ربك ، إذ أخذ على أنّ أخذ ربك فعل وفاعل ، وإذ ظرف لما مضى ، وهو إخبار عما جرت به عادة اللّه في إهلاك من تقدم من الأمم . وقرأ طلحة بن مصرف : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ . قال ابن عطية : وهي قراءة متمكنة المعنى ، ولكن قراءة الجماعة تعطي الوعيد واستمراره في الزمان ، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي ، والقرى مفعول بأخذ على الأعمال إذ تنازعه المصدر وهو : أخذ ربك ، وأخذ ، فاعمل الثاني وهي ظالمة جملة حالية إن أخذه أليم موجع صعب على المأخوذ . والأخذ هنا أخذ الإهلاك . إنّ في ذلك أي : فيما قص اللّه من أخبار الأمم الماضية وإهلاكهم لآية لعلامة لمن خاف عذاب الآخرة ، أي : إنهم إذا عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم باللّه ، وهي دار العمل فلأن يعذبوا على ذلك في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى ، وذلك أنّ الأنبياء أخبروا باستئصال من كذبهم ، وأشركوا باللّه . ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم ، فدل على أنّ ما أخبروا به من البعث والجزاء صدق لا شك فيه . قال الزمخشري : لآية لمن خاف لعبرة له ، لأنه ينظر إلى ما أحل اللّه بالمجرمين في الدنيا ، وما هو إلا أنموذج مما أعد لهم في الآخرة ، فإذا رأى عظمته وشدته اعتبر به من عظيم العذاب الموعود فيكون له عظة وعبرة ولطفا في زيادة التقوى والخشية من اللّه ونحوه :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
« 1 » ذلك إشارة إلى يوم القيامة الدال عليه قوله : عذاب الآخرة ، والناس مفعول لم يسم فاعله رافعه مجموع ، وأجاز ابن عطية أن يكون الناس مبتدأ ، ومجموع خبر مقدم ، وهو بعيد
هامش
( 1 ) سورة النازعات : 79 / 26 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 208 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل