تقدم معمول المتنازعين نظر ، فالأكثرون لا يذكرون فيه تقدمة عليهما ، وأجاز بعض النحويين التقديم فتقول : زيدا ضربت وشتمت على التنازع ، والظاهر تعلق الصفتين بجميع المؤمنين . وقال قوم : بالتوزيع ، رؤوف بالمطيعين ، رحيم بالمذنبين . وقيل : رؤوف بمن رآه ، رحيم بمن لم يره . وقيل : رؤوف بأقربائه ، رحيم بغيرهم . وقال الحسن بن الفضل : لم يجمع اللّه لنبي بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه قال : بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ *
« 1 » .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
: أي فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذه الحالة التي منّ اللّه عليهم بها من إرسالك إليهم واتصافك بهذه الأوصاف الجميلة فقل : حسبي اللّه أي : كافيّ من كل شيء ، عليه توكلت أي :
فوضت أمري إليه لا إلى غيره ، وقد كفاه اللّه شرهم ونصره عليهم ، إذ لا إله غيره . وهي آية مباركة لأنها من آخر ما نزل ، وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات . وقال ابن عباس : العرش لا يقدر أحد قدره انتهى . وذكر في معرض شرح قدرة اللّه وعظمته ، وكان الكفار يسمعون حديث وجود العرش وعظمته من اليهود والنصارى ، ولا يبعد أنهم كانوا سمعوا ذلك من أسلافهم . وقرأ ابن محيصن : العظيم برفع الميم صفة للرب ، ورويت عن ابن كثير . قال أبو بكر الأصم : وهذه القراءة أعجب إليّ ، لأنّ جعل العظيم صفة للّه تعالى أولى من جعله صفة للعرش ، وعظم العرش بكبر جثته واتساع جوانبه على ما ذكر في الأخبار ، وعظم الرب بتقديسه عن الحجمية والأجزاء والأبعاض ، وبكمال العلم والقدرة ، وتنزيهه عن أن يتمثل في الأوهام ، أو تصل إليه الأفهام . وعن ابن عباس : آخر ما نزل لقد جاءكم إلى آخرها . وعن أبيّ أقرب القرآن عهدا باللّه لقد جاءكم الآيتان ، وهاتان الآيتان لم توجدا حين جمع المصحف إلا في حفظ خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، فلما جاء بها تذكرها كثير من الصحابة ، وقد كان زيد يعرفها ، ولذلك قال : فقدت آيتين من آخر سورة التوبة ، ولو لم يعرفها لم ندر هل فقد شيئا أولا ، فإنما ثبتت الآية بالإجماع لا بخزيمة وحده . وقال عمر بن الخطاب : ما فرغ من تنزل براءة حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا سينزل فيه شيء . وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال : « من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي اللّه لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه اللّه تعالى ما أهمه » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 143 .