المكان . وقيل : هو عام في القرب في المكان ، والنسب والبداءة بقتال من يلي لأنه متعذر قتال كلهم دفعة واحدة ، وقد أمرنا بقتال كلهم ، فوجب الترجيح بالقرب كما في سائر المهمات كالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولأن النفقات فيه ، والحاجة إلى الدواب والأدوات أقل ، ولأن قتال الأبعد تعريض لتدارك المسلمين إلى الفتنة ، ولأن الدين يكون إن كانوا ضعفاء كان الاستيلاء عليهم أسهل ، وحصول غير الإسلام أيسر . وإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد ، ولأن المعرفة بمن يلي آكد منها بمن بعد للوقوف على كيفية أحوالهم وعددهم وعددهم ، فترجحت البداءة بقتال من يلي على قتال من بعد .
وأمر تعالى المؤمنين بالغلظة على الكفار والشدّة عليهم كما قال تعالى :
جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ *
« 1 » وذلك ليكون ذلك أهيب وأوقع للفزع في قلوبهم . وقال تعالى :
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
« 2 »
وفي الحديث : « ألقوا الكفار بوجوه مكفهرة »
وقال تعالى
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
« 3 » وقال :
فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا
« 4 » والغلظة : تجمع الجرأة والصبر على القتال وشدة العداوة ، والغلظة حقيقة في الأجسام ، واستعيرت هنا للشدة في الحرب . وقرأ الجمهور : غلظة بكسر الغين وهي لغة أسد ، والأعمش وأبان بن ثعلب والمفضل كلاهما عن عاصم بفتحها وهي لغة الحجاز ، وأبو حيوة والسلمي وابن أبي عبلة والمفضل وأبان أيضا بضمها وهي لغة تميم ، وعن أبي عمر وثلاث اللغات ثم قال : واعلموا أنّ اللّه مع المتقين لينبه على أن يكون الحامل على القتال ووجود الغلظة إنما هو تقوى اللّه تعالى ، ومن اتقى اللّه كان اللّه معه بالنصر والتأييد ، ولا يقصد بقتاله الغنيمة ، ولا الفخر ، ولا إظهار البسالة .
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
:
قال ابن عباس : نزلت هذه والثانية في المنافقين ، كانوا إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين خطبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعرض بهم في خطبته ، فينظر بعضهم إلى بعض يريدون
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 73 .
( 2 ) سورة المائدة : 5 / 54 .
( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 139 .
( 4 ) سورة آل عمران : 3 / 146 .