تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
هذا نفي معناه النهي ، وخصّ هؤلاء بالذكر وكل الناس في ذلك سواء لقربهم منه ، وأنه لا يخفى عليهم خروجه . قال قتادة : كان هذا الإلزام خاصا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وجواب النفر إلى الغزو إذا خرج هو بنفسه ، ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء . وقال زيد بن أسلم : كان هذا الأمر والإلزام في قلة الإسلام ، واحتياج إلى اتصال الأيدي ، ثم نسخ عند قوة الإسلام بقوله :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
« 1 » قال : وهذا كله في الانبعاث إلى غزو العدو على الدخول في الإسلام ، وأما إذا ألم العدوّ بجهة فيتعين على كل أحد القيام بذنبه ومكافحته ، والإشارة بذلك إلى ما تضمنه انتفاء التخلف من وجوب الخروج معه وبذل النفس دونه ، كأنه قيل : ذلك الوجوب للخروج وبذل النفس هو بسبب ما أعد اللّه لهم من الثواب الجسيم على المشاق التي تنالهم ، وما يتسنى على أيديهم من إيذاء أعداء الإسلام . والظمأ العطش . وقرأ عبيد بن عمير ظماء بالمد مثل : سفه سفاها ، ولما كان العطش أشق الأشياء المؤدية للمسافر بكثرة الحركة وإزعاج النفس وخصوصا في شدة الحر كغزوة تبوك بدئ به أولا ، وثنى بالنصب وهو التعب لأنه الكلال الذي يلحق المسافر والإعياء الناشئ عن العطش والسير ، وأتى ثالثا بالجوع لأنه حاله يمكن الصبر عليها الأوقات العديدة ، بخلاف العطش والنصب المفضيين إلى الخلود والانقطاع عن السفر . فكان الإخبار بما يعرض للمسافر أولا فثانيا فثالثا . وموطئا مفعل من وطئ ، فاحتمل أن يكون مكانا ، واحتمل مصدرا . والفاعل في يغيظ عائد على المصدر ، إما على موطئ إن كان مصدرا ، وإما على ما يفهم من موطئ إن كان مكانا ، أي يغيظ ووطؤهم إياه الكفار . وأطلق موطئا إذا كان مكانا ليعم كل موطئ يغيظ وطؤه الكفار ، سواء كان من أمكنة الكفار ، أم من أمكنة المسلمين إذا كان في سلوكه غيظهم . والوطء يدخل فيه بالحوافر والإخفاف والأرجل . وقرأ زيد بن علي : يغيظ بضم الياء . والنيل مصدر ، فاحتمل أن يبقى على موضوعه ، واحتمل أن يراد به المنيل . وأطلق نيلا ليعمّ القليل والكثير مما يسوءهم قتلا وأسرا وغنيمة وهزيمة ، وليست الياء في نيل بدلا من واو خلافا لزاعم ذلك ، بل نال مادتان : إحداهما من ذوات الواو نلته انوله نولا ونوالا من العطية ، ومنه التناول . والأخرى : هذه من ذوات الياء ، نلته أناله نيلا إذا أصابه وأدركه . وبدئ في هاتين الجملتين بالأسبق أيضا وهو الوطء ، ثم ثنى بالنيل من
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 122 .