تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
وكان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمصها أحدهم ويشرب عليها الماء ، ثم يفعل بها كلهم ذلك . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أصابهم في بعضها عطش شديد حتى جعلوا ينحرون الإبل ويشربون ما في كروشها من الماء ، ويعصرون الفرث حتى استسقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرفع يديه يدعو ، فما رجعهما حتى انكسبت سحابة ، فشربوا وادخروا ثم ارتحلوا ، فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر . وفي هذه الغزوة هموا من المجاعة بنحر الإبل ، فأمر بجمع فضل أزوادهم حتى اجتمع منه على النطع شيء يسير ، فدعا فيه بالبركة ثم قال : « خذوا في أوعيتكم فملئوها حتى لم يبق وعاء » وأكل القوم كلهم حتى شبعوا ، وفضلت فضلة . وكان الجيش ثلاثين ألفا وزيادة ، وهي آخر مغازيه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيها خلف عليا بالمدينة . وقال المنافقون خلفه بغضا له ، فأخبره بقولهم فقال : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى » ؟ ووصل صلى اللّه عليه وسلم إلى أوائل بلاد العدو ، وبث السرايا ، فصالحه أهل أذرح وأيلة وغيرهما على الجزية وانصرف .
يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ
قال الحسن : همت فرقة بالانصراف لما لقوا من المشقة . وقيل : زيغها كان بظنون لها ساءت في معنى عزم الرسول على تلك الغزوة ، لما رأته من شدّة العسرة وقلة الوفر ، وبعد الشقة ، وقوة العدو المقصود . وقال ابن عباس : تزيغ ، تعدل عن الحق في المبايعة . وكاد تدل على القرب ، لا على التلبس بالزيغ . وقرأ حمزة وحفص : يزيغ بالياء ، فتعين أن يكون في كاد ضمير الشأن ، وارتفاع قلوب بتزيغ لامتناع أن يكون قلوب اسم كاد وتزيغ في موضع الخبر ، لأنّ النية به التأخير . ولا يجوز من بعد ما كاد قلوب يزيغ بالياء . وقرأ باقي السبعة : بالتاء ، فاحتمل أن يكون قلوب اسم كاد ، وتزيغ الخبر وسط بينهما ، كما فعل ذلك بكان . قال أبو علي : ولا يجوز ذلك في عسى ، واحتمل أن يكون فاعل كاد ضمير يعود على الجمع الذي يقتضيه ذكر المهاجرين والأنصار ، أي من بعد ما كاد هو أي : الجمع . وقد قدر المرفوع بكاد باسم ظاهر وهو القوم ابن عطية وأبو البقاء ، كأنه قال : من بعد ما كاد القوم . وعلى كل واحد من هذه الأعاريب الثلاثة إشكال على ما تقرّر في علم النحو : من أنّ خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا مضارعا رافعا ضمير اسمها . فبعضهم أطلق ، وبعضهم قيد بغير عسى من أفعال المقاربة ، ولا يكون سببا ، وذلك بخلاف كان . فإنّ خبرها يرفع الضمير ، والسبي لاسم كاد ، فإذا قدّرنا فيها ضمير الشأن كانت الجملة في موضع نصب على الخبر ، والمرفوع ليس ضميرا يعود على اسم كاد بل ولا سببا له ، وهذا يلزم في قراءة الياء أيضا . وأما توسيط الخبر فهو مبني على جواز مثل هذا