تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
كانوا في غاية القرب ، ونبه على الوصف الشريف من النبوة والإيمان ، وأنه مناف للاستغفار لمن مات على ضده وهو الشرك باللّه . ومعنى من بعد ما تبين أي : وضح لهم أنهم أصحاب الجحيم لموافاتهم على الشرك ، والتبين هو بإخبار اللّه تعالى
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ *
« 1 » والظاهر أنّ الاستغفار هنا هو طلب المغفرة ، وبه تظافرت أسباب النزول . وقال عطاء بن أبي رباح : الآية في النهي عن الصلاة على المشركين ، والاستغفار هنا يراد به الصلاة . قالوا : والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه ، ومن هذا قول أبي هريرة : رحم اللّه رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه ، قيل له : ولأبيه ؟ قال : لا لأن أبي مات كافرا ، فإن ورد نص من اللّه على أحد إنه من أهل النار وهو حي كأبي لهب امتنع الاستغفار له ، فتبين كينونة المشرك أنه من أصحاب الجحيم تمويه على الشرك وبنص اللّه عليه وهو حي ، أنه من أهل النار . ويدخل على جواز الاستغفار للكفار إذا كانوا أحياء ، لأنه يرجى إسلامهم ما حكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عن نبي قبله شجه قومه ، فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » . ولما كان استغفار إبراهيم لأبيه بصدد أن يقتدى به ، ولذلك قال جماعة من المؤمنين : نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه ، بين العلة في استغفار إبراهيم لأبيه ، وذكر أنه حين اتضحت له عداوته للّه تبرأ منه إبراهيم . والموعدة التي وعدها إبراهيم أباه هي قوله :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
« 2 » وقوله :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
« 3 » . والضمير الفاعل في وعدها عائد على إبراهيم ، وكان أبوه بقيد الحياة ، فكان يرجوا إيمانه ، فلما تبين له من جهة الوحي من اللّه أنه عدوّ للّه وأنه يموت كافرا وانقطع رجاؤه منه ، تبرأ منه وقطع استغفاره . ويدل على أن الفاعل في وعد ضمير يعود على إبراهيم : قراءة الحسن ، وحماد الراوية ، وابن السميفع ، وأبي نهيك ، ومعاذ القارئ ، وعدها أباه . وقيل : لفاعل ضمير والد إبراهيم ، وإياه ضمير إبراهيم ، وعده أبو أنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه ، فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه . وقرأ طلحة : وما استغفر إبراهيم ، وعنه وما يستغفر إبراهيم على حكاية الحال . والذي يظهر أنّ استغفار إبراهيم لأبيه كان في حالة الدنيا . ألا ترى إلى قوله :
وَاغْفِرْ لِأَبِي
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 48 . ( 2 ) سورة مريم : 19 / 47 . ( 3 ) سورة الممتحنة : 60 / 4 .