تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
أدائه . وعن بمعنى من ، وكثيرا ما يتوصل في موضع واحد بهذه ، وهذه تقول : لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى ، وفعل ذلك فلان من أسره ونظره ، وعن أسره ونظره انتهى . وقيل : كلمة من وكلمة عن متقاربتان ، إلا أنّ عن تفيد البعد . فإذا قيل : جلس عن يمين الأمير أفاد أنه جلس في ذلك الجانب ، ولكن مع ضرب من البعد فيفيدها أنّ التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه بعيد عن قبول اللّه توبته بسبب ذلك الذنب ، فيحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه وبعده عن حضرته . فلفظة عن كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب انتهى . والذي يظهر من موضوع عن أنها للمجاوزة . فإن قلت : أخذت العلم عن زيد فمعناه أنه جاوز إليك ، وإذا قلت : من زيد دل على ابتداء الغاية ، وأنه ابتداء أخذك إياه من زيد . وعن أبلغ لظهور الانتقال معه ، ولا يظهر مع من . وكأنهم لما جاوزت توبتهم عنهم إلى اللّه ، اتصف هو تعالى بالتوبة عليهم . ألا ترى إلى قوله : وأن اللّه هو التواب الرحيم ، فكل منهما متصف بالتوبة وإن اختلفت جهتا النسبة . ألا ترى إلى ما روي : « ومن تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » ؟ .
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
: صيغة أمر ضمنها الوعيد ، والمعتذرون التائبون من المتخلفين ، هم المخاطبون . وقيل : هم المعتذرون الذين لم يتوبوا . وقيل : المؤمنون والمنافقون . فسيرى اللّه إلى آخرها تقدم شرح نظيره . وإذا كان الضمير للمعتذرين الخالطين التائبين وهو الظاهر ، فقد أبرزوا بقوله : فسيرى اللّه عملكم ، إبراز المنافقين الذين قيل لهم :
لا تَعْتَذِرُوا
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ
« 1 » وسيرى الآية تنقيصا من حالهم وتنفيرا عما وقعوا فيه من التخلف عن الرسول ، وأنهم وإن تابوا ليسوا كالذين جاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم لا يرغبون بأنفسهم عن نفسه .
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
: قال ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وابن إسحاق : نزلت في الثلاثة الذين خلفوا قبل التوبة عليهم : هلال بن أمية الواقفي ، ومرارة بن الربيع العامري ، وكعب بن مالك . وقيل : نزلت في المنافقين المعرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار . وقرأ
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 94 .