تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
والكلام المبهرج الذي لا يرجع إلى كتاب اللّه وإلى سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، والتجري على الإخبار الكاذب عن المغيبات ، لقضى من ذلك العجب . وما كنت أظن أنّ مثل ما حكى قتادة يقع في ذلك الزمان لقربه من الصحابة وكثرة الخير ، لكن شياطين الإنس يبعد أن يخلو منهم زمان . نحن نعلمهم . قال الزمخشري : نطلع على سرهم ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم إبطانا ، ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين ، لا تشك معه في إيمانهم ، وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروبه ، ولهم فيه اليد الطولى انتهى . وفي قوله : نحن نعلمهم تهديد وترتب عليه بقوله : سنعذبهم مرتين . والظاهر إرادة التثنية ويحتمل أن يكون لا يراد بها شفع الواحد ، بل يكون المعنى على التكثير كقوله :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
« 1 » أي كرة بعد كرة . كذلك يكون معنى هذا سنعذبهم مرة بعد مرة . وإذا كانت التثنية مرادة فأكثر الناس على أنّ العذاب الثاني هو عذاب القبر ، وأما المرة الأولى فقال ابن عباس في الأشهر عنه : هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق . وروي في هذا التأويل أنه عليه السلام خطب يوم جمعة بدر فندر بالمنافقين وصرح وقال : « اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق ، واخرج أنت يا فلان ، واخرج أنت يا فلان » حتى أخرج جماعة منهم ، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا ، وأن الجمعة فاتته ، فاختفى منهم حياء ، ثم وصل المسجد فرأى أنّ الصلاة لم تقض وفهم الأمر . قال ابن عطية : وفعله صلى اللّه عليه وسلم على جهة التأديب اجتهاد منه فيهم ، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام ، وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون ، ولا عذاب أعظم من هذا . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثيرا ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين ، فهذا أيضا من العذاب انتهى . ويبعد ما قال ابن عطية لأنه نص على نفاق من أخرج بعينه ، فليس من باب إخراج العصاة ، بل هؤلاء كفار عنده وإن أظهروا الإسلام . وقال قتادة وغيره : العذاب الأول علل وأدواء أخبر اللّه نبيه أنه سيصيبهم بها ، وروي أنه أسرّ إلى حذيفة باثني عشر منهم وقال : « ستة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى تفضي إلى صدره ، وستة يموتون موتا » وقال مجاهد : هو عذابهم بالقتل والجوع . قيل : وهذا بعيد ، لأن منهم من لم يصبه هذا . وقال ابن عباس أيضا : هو هو أنهم بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه . وقال ابن إسحاق : هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته . وقيل : ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم . وقال الحسن : الأول ما يؤخذ من أموالهم قهرا ، والثاني
هامش
( 1 ) سورة الملك : 67 / 40 .