تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
أسيئي بنا أو أحسبني لا ملومة أي : لن يغفر اللّه لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم ، ولا نلومك أحسنت إلينا أو أسأت . فإن قيل : متى يجوز نحو هذا ؟ قلت : إذا دل الكلام عليه كما كان في قولك : غفر اللّه لزيد ورحمه ( فإن قلت ) : لم فعل ذلك ؟ ( قلت ) : لنكتة وهي أنّ كثيرا كأنه يقول لعزة : امتحني لطف محلك عندي ، وقوة محبتي لك ، وعامليني بالإساءة والإحسان ، وانظري هل تتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة . وفي معناه قول القائل :
أحول الذي إن قمت بالسيف عامدا * لتضربه لم يستغشك في الودّ
وكذلك المعنى أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم ، واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى خلافا بين حالي الاستغفار وتركه ؟ انتهى . وقيل : هو أمر مبالغة في الإياس ومعناه : إنك لو طلبت الاستغفار لهم طلب المأمور ، أو تركته ترك المنهي عنه ، لم يغفر لهم . وقيل : معناه الاستواء أي : استغفارك لهم وترك الاستغفار سواء . ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يستغفر لهم وقد أخبر أنهم كفروا ؟ فالجواب قالوا من وجوه : أحدها : أن ذلك كان على سبيل التأليف ليخلص إيمان كثير منهم . وقد روي أنه لما استغفر لابن سلول وكساه ثوبه ، وصلى عليه ، أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب الرسول ، وكان رأس المنافقين وسيدهم . وقيل : فعل ذلك تطييبا لقلب ولده ومن أسلم منهم ، وهذا قريب مما قبله . وقيل : كان المؤمنون يسألون الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يستغفر لقومهم المنافقين في حياتهم رجاء أن يخلصوا في إيمانهم ، وبعد مماتهم رجاء الغفران ، فنهاه اللّه عن ذلك وأيأسهم منه ، وقد سأل عبد اللّه بن عبد اللّه الرسول أن يستغفر لأبيه رجاء أن يخفف عنه . وقيل : إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يحقق خروجهم عن الإسلام ، ورد هذا القول بأنه تعالى أخبر بأنهم كفروا فلا يصح أن يقال إنه غير عالم بكفرهم . وقال أبو عبد اللّه الرازي : الأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس : أنّ الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار ، ولا يجوز أن يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم اشتغل بالاستغفار فنهاه عنه لوجوه : الأول : أن المنافق كافر ، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز ، فلهذا السبب أمره اللّه تعالى بالاقتداء بإبراهيم عليهما السلام إلا في قوله :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
وإذا كان هذا مشهورا في الشرع ، فكيف يجوز الإقدام عليه ؟ الثاني : أنّ استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصرا على القبيح والمعصية . الثالث : أن