تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
كسع أحدهما رجل الآخر في غزوة المريسيع ، فصاح الجهجاه : يا للأنصار ، وصاح سنان : يا للمهاجرين ، فثار الناس ، وهدأهم الرسول فقال ابن أبي : ما أرى هؤلاء إلا قد تداعوا علينا ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك ، أو الاستهزاء ، أو قول الجلاس المتقدم ، أو قولهم : نعقد التاج ، أو قولهم : ليس بنبي ، أو القول : لئن رجعنا إلى المدينة أقوال . وكفروا : أي أظهروا الكفر بعد إسلامهم ، أي إظهار إسلامهم . ولم يأت التركيب بعد إيمانهم لأنّ ذلك لم يتجاوز ألسنتهم . والهم دون العزم ، وتقدم الخلاف في الهام والمهموم به . وقيل : هو همّ المنافقين أو الجلاس بقتل ناقل حديث الجلاس إلى الرسول ، وفي تعيين اسم الناقل خلاف ، فقيل : عاصم بن عدي . وقيل : حذيفة . وقيل : ابن امرأة الجلاس عمير بن سعد . وقيل : اسمه مصعب . وقيل : هموا بالرسول والمؤمنين أشياء لم ينالوها « وما نقموا إلا أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله » هذا مثل قوله :
هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا
« 1 »
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا
« 2 » وكان حق الغني من اللّه ورسوله أن يشكر لا أين ينقم ، جعلوا الغنى سببا ينتقم به ، فهو كقوله :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
و كان الرسول قد أعطى لعبد اللّه بن أبي دية كانت قد تغلظت له ، قال عكرمة : اثنا عشر ألفا . وقيل : بل كانت للجلاس . وكانت الأنصار حين قدم الرسول صلى اللّه عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل . ولا يجوزون الغنيمة ، فأثروا وقال الرسول للأنصار : « وكنتم عالة فأغناكم اللّه بي » و قيل : كان على الجلاس دين كثير فقضاه الرسول ، وحصل له من الغنائم مال كثير . وقوله : وما نقموا الجملة كلام أجري مجرى التهكم به ، كما تقول : ما لي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك ، فإن فعلهم يدل على أنهم كانوا لئاما . وقال الشاعر :
ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم سادة الملوك ولا * يصلح إلا عليهم العرب
وقال الآخر وهو نظير البيت السابق :
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر * كرام وإنا لا نحط على النمل
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 59 . ( 2 ) سورة البروج : 85 / 8 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 465 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل