تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
عني مناسككم » وجملة براءة من اللّه ورسوله إخبار بثبوت البراءة ، وجملة وأذان من اللّه ورسوله إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت ، فافترقتا وعلقت البراءة بالمعاهدين لأنها مختصة بهم ناكثيهم وغير ناكثيهم ، وعلق الأذان بالناس لشموله معاهدا وغيره ناكثا ، وغيره مسلما وكافرا ، هذا هو قول الجمهور . قيل : ويجوز أن يكون الخطاب للكفار بدليل آخر الآية ، وبدليل مناداة عليّ بالجمل الأربع . فظاهره أنّ المخاطب بتلك الجمل الكفار ، ولما كان المجرور خبرا عن قوله وأذان ، كان بإلى أي مفتد إلى الناس وواصل إليهم . ولو كان المجرور في موضع المفعول لكان باللام ، ومن في من المشركين متعلقة بقوله بريء تعلق المفعول . تقول : برئت منك ، وبرئت من الدين بخلاف من في قوله : براءة من اللّه ، فإنها في موضع الصفة
فَإِنْ تُبْتُمْ
أي : من الشرك الموجب لتبرؤ اللّه ورسوله منكم .
فَهُوَ
أي التوب
خَيْرٌ لَكُمْ
في الدنيا لعصمة أنفسكم وأولادكم وأموالكم ، وفي الآخرة لدخولكم الجنة وخلاصكم من النار .
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي عن الإسلام
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
أي لا تفوتوته عما يحل بكم من نقماته
وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
جعل الإنذار بشارة على سبيل الاستهزاء بهم ، والذين كفروا عام يشمل المشركين عبدة الأوثان وغيرهم ، وفي هذا وعيد عظيم بما يحل بهم .
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
قال قوم : هذا استثناء منقطع ، التقدير : لكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد أتموا إليهم عهدهم . وقال قوم منهم الزجاج : هو استثناء متصل من قوله : إلى الذين عاهدتم من المشركين . وقال الزمخشري : وجهه أن يكون مستثنى من قوله :
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ
« 1 » لأنّ الكلام خطاب للمسلمين ومعناه : براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ، فقولوا لهم : سيحوا ، إلا الذين عاهدتم منهم ، ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم . والاستثناء بمعنى الاستدراك ، كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين : ولكنّ الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ، ولا تجعلوا الوفيّ كالغادر . وقيل : هو استثناء متصل ، وقبله جملة محذوفة تقديرها : اقتلوا المشركين المعاهدين إلا الذين عاهدتم ، وهذا قول ضعيف جدا ، والأظهر أن يكون منقطعا لطول الفصل بجمل كثيرة بين ما يمكن أن يكون مستثنى منه وبينه . قال
هامش
( 1 ) سورة براءة : 9 / 2 .