تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
لأنه لما كان المؤمنون نهوا عن فعل ما لا يجوز ، جعل ذلك في اسم غائب ، فلم يواجهوا بالنهي ، ولما وقعت المسامحة والإذن في بعض ذلك ووجهوا بذلك إيذانا بلطف اللّه بهم ، وتشريفا بخطابه إياهم . وقرأ الجمهور : تقاة ، وأصله : وقية ، فأبدلت الواو تاء ، كما أبدلوها في : تجاه وتكاه ، وانقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وهو مصدر على فعلة : كالتؤدة والتخمة ، والمصدر على فعل أو فعلة جاء قليلا . وجاء مصدرا على غير المصدر ، إذ لو جاء على المقيس لكان : اتقاء ونظيره قوله تعالى :
وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
« 1 » وقول الشاعر :
ولاح بجانب الجبلين منه * ركام يحفر الأرض احتفارا
والمعنى : إلّا أن تخافوا منهم خوفا . وأمال الكسائي : تقاة ، وحق تقاته ، ووافقه حمزة هنا وقرأ ورش بين اللفظين ، وفتح الباقون . وقال الزمخشري : إلّا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه . وقرئ : تقية . وقيل : للمتقي تقاة وتقية ، كقولهم : ضرب الأمير لمضروبه . انتهى . فجعل : تقاة ، مصدرا في موضع اسم المفعول ، فانتصابه على أنه مفعول به لا على أنه مصدر ، ولذلك قدره إلّا أن تخافوا أمرا . وقال أبو عليّ : يجوز أن يكون : تقاة ، مثل : رماة ، حالا من : تتقوا ، وهو جمع فاعل ، وإن كان لم يستعمل منه فاعل ، ويجوز أن يكون جمع تقي . انتهى كلامه . وتكون الحال مؤكدة لأنه قد فهم معناها من قوله
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ
وتجويز كونه جمعا ضعيف جدّا ، ولو كان جمع : تقي ، لكان أتقياء ، كغني وأغنياء ، وقولهم : كمي وكماة ، شاذ فلا يخرج عليه ، والذي يدل على تحقيق المصدرية فيه قوله تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
« 2 » المعنى حق اتقائه ، وحسن مجيء المصدر هكذا ثلاثيا أنهم قد حذفوا : اتقى ، حتى صار : تقي يتقي ، تق اللّه فصار كأنه مصدر لثلاثي . وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والضحاك ، وأبو حيوة ، ويعقوب ، وسهل ، وحميد بن قيس ، والمفضل عن عاصم : تقية على وزن مطية وجنية ، وهو مصدر على وزن : فعيلة ، وهو قليل نحو : النميمة . وكونه من افتعل نادر .
هامش
( 1 ) سورة المزمل : 73 / 8 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 102 .