تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
ذلك ، والذي خرجت عليه قراءة : أن الدّين ، بالفتح هو أن يكون الكلام في موضع المعمول : للحكيم ، على إسقاط حرف الجر ، أي : بأن ، لأن الحكيم فعيل للمبالغة : كالعليم والسميع والخبير ، كما قال تعالى
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 1 » وقال
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
« 2 » والتقدير : لا إله إلا هو العزيز الحاكم أن الدّين عند اللّه الإسلام . ولما شهد تعالى لنفسه بالوحدانية ، وشهد له بذلك الملائكة وأولو العلم ، حكم أن الدّين المقبول عند اللّه هو الإسلام ، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عنه
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
« 3 » وعدل من صيغة الحاكم إلى الحكيم لأجل المبالغة ، ولمناسبة العزيز ، ومعنى المبالغة تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع أن الدين عنده هو الإسلام ، إذ حكم في كل شريعة بذلك . فإن قلت : لم حملت الحكيم على أنه محول من فاعل إلى فعيل للمبالغة ، وهلا جعلته فعيلا بمعنى مفعل ، فيكون معناه المحكم ، كما قالوا في : أليم ، إنه بمعنى مؤلم ، وفي سميع من قول الشاعر : أمن ريحانة الداعي السميع أي المسمع ؟ فالجواب : إنا لا نسلم أن فعيلا يأتي بمعنى مفعل ، وقد يؤوّل : أليم وسميع ، على غير مفعل ، ولئن سلمنا ذلك فهو من الندور والشذوذ والقلة بحيث لا ينقاس ، وأما فعيل المحوّل من فاعل للمبالغة فهو منقاس كثير جدا ، خارج عن الحصر : كعليم وسميع وقدير وخبير وحفيظ ، في ألفاظ لا تحصى ، وأيضا فإن العربي القح الباقي على سليقته لم يفهم من حكيم إلّا أنه محوّل للمبالغة من حاكم ، ألا ترى أنه لما سمع قارئا يقرأ
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا . نَكالًا مِنَ اللَّهِ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *
. أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق : واللّه غفور رحيم فقيل له التلاوة :
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *
« 4 » فقال : هكذا يكون عز فحكم ، ففهم من حكم أنه محول للمبالغة من حاكم ، وفهم هذا العربي حجة قاطعة بما قلناه ، وهذا تخريج سهل سائغ جدا ، يزيل تلك التكلفات والتركيبات المعقدة التي ينزه كتاب اللّه عنها .
هامش
( 1 ) سورة هود : 11 / 1 . ( 2 ) سورة النمل : 27 / 6 . ( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 85 . ( 4 ) سورة المائدة : 5 / 38 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 69 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل