تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
تقرر هذا اتضح ضعف قول الزمخشري في قوله : ( فإن قلت ) : من المراد بالذين يعملون السيئات ، أهم الفساق من أهل القبلة ، أم الكفار ؟ ( قلت ) : فيه وجهان : أحدهما : أن يراد به الكفار لظاهر قوله : وهم كفار ، وأن يراد الفساق لأن الكلام إنما وقع في الزانيين ، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا ، ويكون قوله : وهم كفار واردا على سبيل التغليظ كقوله :
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
« 1 » وقوله : « فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا » ، من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ، لأنّ من كان مصدقا ومات وهو لا يحدث نفسه بالتوبة حاله قريبة من حال الكافر ، لأنه لا يجترئ على ذلك إلا قلب مصمت انتهى لامه . وهو في غاية الاضطراب ، لأنه قبل ذلك حمل الآية على أنها دالة على قسمين : أحدهما : الذين سوفوا التوبة إلى حضور الموت ، والثاني : الذين ماتوا على الكفر . وفي هذا الجواب حمل الآية على أنها أريد بها أحد القسمين . أما الكفار فقط وهم الذين وصفوا عنده بأنهم يعملون السيئات ويموتون على الكفر ، وعلل هذا الوجه بقوله : لظاهر قوله : وهم كفار ، فجعل هذه الحال دالة على أنه أريد بالذين يعملون السيئات هم الكفار ، وأما الفساق من المؤمنين فيكون قوله : وهم كفار لا يراد به الكفر حقيقة ، ولا أنهم يوافون على الكفر حقيقة ، وإنما جاء ذلك على سبيل التغليظ عنده : فقد خالف تفسيره في هذا الجواب صدر تفسيره الآية ، أولا وكل ذلك انتصار لمذهبه حتى يرتب العذاب : إما للكافر ، وإما للفاسق ، فخرج بذلك عن قوانين النحو ، والحمل على الظاهر . لأن قوله : وهم كفار ، ليس ظاهره إلا أنه قيد في قوله : ولا الذين يموتون ، وظاهره الموافاة على الكفر حقيقة . وكما أنه شرط في انتفاء قبول توبة الذين يعملون السيئات إيقاعها في حال حضور الموت ، كذلك شرط في ذلك كفرهم حالة الموت ، وظاهر العطف التغاير والزمخشري كما قيل في المثل : حبك الشيء يعمي ويصم . وجاء يعملون بصيغة المضارع لا بصيغة الماضي إشعارا بأنهم مصرون على عمل السيئات إلى أن يحضرهم الموت . وظاهر قوله : قال : إني تبت الآن ، هو توبتهم عند معاينة الموت كما تقدّم تفسيره ، فلا تقبل توبتهم لأنها توبة دفع . وقيل : قوله تبت الآن توبة شريطية فلم تقبل ، لأنه لم يقطع بها . وقوله : وليست التوبة ظاهرة النفي لوجودها ، والمعنى على نفي القبول أي : أن توبتهم وإن وجدت فليست بمقبولة . وظاهر قوله : ولا الذين يموتون وهم كفار ، وقوع الموت حقيقة . فالمعنى : أنهم لو تابوا في الآخرة لم تقبل توبتهم ، لأنه لا يمكن ذلك في الدنيا ، لأنهم ماتوا ملتبسين بالكفر . قيل : ويحتمل أن يراد
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 97 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 565 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل