تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
لما نهوا عن استبدال الخبيث من أموالهم بالطيب من أموال اليتامى ، ارتقى في النهي إلى ما هو أفظع من الاستبدال وهو : أكل أموال اليتامى فنهوا عنه . ومعنى إلى أموالكم : قيل مع أموالكم ، وقيل : إلى في موضع الحال التقدير : مضمومة إلى أموالكم . وقيل : تتعلق بتأكلوا على معنى التضمين أي : ولا تضموا أموالهم في الأكل إلى أموالكم . وحكمة : إلى أموالكم ، وإن كانوا منهيين عن أكل أموال اليتامى بغير حق ، أنه تنبيه على غنى الأولياء . كأنه قيل : ولا تأكلوا أموالهم مع كونكم ذوي مال أي : مع غناكم ، لأنه قد أذن للولي إذا كان فقيرا أن يأكل بالمعروف . وهذا نص على النهي عن الأكل ، وفي حكمه التمول على جميع وجوهه . وقال مجاهد : الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق ، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك ، ثم نسخ منه النهي بقوله تعالى :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ
« 1 » . وقال الحسن قريبا من هذا . قال : تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط ، فاجتنبوه من قبل أنفسهم ، فخفف عنهم في آية البقرة . وحسّن هذا القول الزمخشري بقوله : وحقيقته ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم ، وتسوية بينه وبين الحلال . قال : ( فإن قلت ) قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم ، فلم ورد النهي عن أكله معها ؟ ( قلت ) : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم اللّه من مال حلال ، وهم على ذلك يطمعون فيها ، كان القبح أبلغ والذم أحق . ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم انتهى كلامه . وملخصه أن قوله : إلى أموالكم ليس قيدا للاحتراز ، إنما جيء به لتقبيح فعلهم ، ولأن يكون نهيا عن الواقع ، فيكون نظير قوله :
أَضْعافاً مُضاعَفَةً
« 2 » وإن كان الربا على سائر أحواله منهيا عنه . وما قدمناه نحن يكون ذلك قيدا للاحتراز ، فإنه إذا كان الولي فقيرا جاز أن يأكل بالمعروف ، فيكون النهي منسحبا على أكل مال اليتيم لمن كان غنيا كقوله :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 220 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 130 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 6 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 502 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل