تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
بالخلق التركيب . وإلى نحوه أشار بقوله تعالى :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
« 1 » وقوله :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
« 2 » ولا يصح ذلك في النبات إلا على معنى التركيب . وبدأ بذكر الزوجين والأزواج في الأشياء على أنها لا تنفك من تركيب ، والواحد في الحقيقة ليس إلا اللّه تعالى انتهى . وهذا مخالف لكلام المتقدمين ، قال بعضهم : ونبه بقوله : وخلق منها زوجها على نقصها وكمالها ، لكونها بعضه . وبث منهما أي من تلك النفس ، وزوجها أي : نشر وفرق في الوجود . ويقال : أبث اللّه الخلق رباعيا ، وبث ثلاثيا ، وهو الوارد في القرآن رجالا كثيرا ونساء . قيل : نكر لما في التنكير من الشيوع ولم يكتف بالشيوع حتى صرح بالكثرة وقدم الرجال لفضلهم على النساء ، وخص رجالا بذكر الوصف بالكثرة ، فقيل : حذف وصف الثاني لدلالة وصف الأول عليه ، والتقدير : ونساء كثيرة . وقيل : لا يقدر الوصف وإن كان المعنى فيه صحيحا ، لأنّه نبه بخصوصية الرجال بوصف الكثرة ، على أن اللائق بحالهم الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الخمول والاختفاء . وفي تنويع ما خلق من آدم وحوّاء إلى رجال ونساء دليل على انتفاء الخنثى ، إذ حصر ما خلق في هذين النوعين ، فإن وجد ما ظاهره الإشكال فلا بد من صيرورته إلى هذين النوعين . وقرئ : وخالق منها زوجها ، وبات على اسم الفاعل وهو : خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو خالق .
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
كرر الأمر بالتقوى تأكيدا للأول . وقيل : لاختلاف التعليل وذكر أولا : الرب الذي يدل على الإحسان والتربية ، وثانيا : اللّه الذي يدل على القهر والهيبة . بنى أولا على الترغيب ، وثانيا على الترهيب . كقوله :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
« 3 » و
يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
« 4 » كأنه قال : إنه ربك أحسن إليك فاتق مخالفته ، فإن لم تتقه لذلك فاتقه لأنه شديد العقاب . وقرأ الجمهور من السبعة : تساءلون . وقرأ الكوفيون : بتخفيف السين ، وأصله تتساءلون . قال ابن عطية : وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفا ، وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة . قال أبو علي : وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال ، كما قالوا : طست فابدلوا من السين الواحدة تاء ، إذ الأصل طس . قال العجاج :
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : 51 / 49 . ( 2 ) سورة يس : 36 / 36 . ( 3 ) سورة السجدة : 32 / 16 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 21 / 90 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 496 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل