تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
كل حال ، وتمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة ، وقيل : إذا نفى الظلم الكثير اتبع القليل ضرورة ، لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم ، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان للظلم القليل المنفعة أترك . وقال القاضي : العذاب الذي توعد أن يفعله بهم : لو كان ظالما لكان عظيما ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا والعبيد جمع عبد ، كالكليب . وقد جاء اسم الجمع على هذا الوزن نحو الضيفن وغيره من جمع التكسير ، جواز الإخبار عنه إخبار الواحد كأسماء الجموع ، وناسب لفظ هذا الجمع دون لفظ العباد ، لمناسبة الفواصل التي قبله مما جاءت على هذا الوزن ، كما ناسب ذلك في سورة فصلت ، وكما ناسب لفظ العباد في سورة غافر ما قبله وما بعده . قال ابن عطية : وجمع عبدا في هذه الآية على عبيد لأنه مكان تشقيق وتنجية من ظلم انتهى كلامه . ولا تظهر لي هذه العلة التي ذكرها في هذا الجمع . وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فلم عطف قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، على
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكا لاجتراحهم السيئات في استحقاقهم العذاب ؟ ( قلت ) : معنى كونه غير ظلام للعبيد : أنه عادل عليهم ، ومن العدل أن يعاقب المسئ منهم ويشيب المحسن انتهى . وفيه رائحة الاعتزال .
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
قال الكعبي : نزلت في كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن مانوه ، وفنحاص بن عازوراء ، وحيي بن أخطب ، أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا ، وأنزل عليك كتابا ، وأن اللّه قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند اللّه حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدقناك . وظاهر هذا القول أنه عهد إليهم في التوراة ، فقيل : كان هذا في التوراة ، ولكن كان تمام الكلام حتى يأتيكم المسيح ومحمد ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان . وقيل : كان أمر القرابين ثابتا ، إلى أن نسخت على لسان المسيح . وقيل : ذكرهم هذا العهد هو من كذبهم على اللّه تعالى ، وافترائهم عليه ، وعلى أنبيائه . ومعنى عهد : وصي ، والعهد أخص من الأمر ، لأنه في كل ما يتطاول أمره ويبقى في غابر الزمان ، وتقدم تفسيره . وتعدى نؤمن باللام كما في قوله :
فَما آمَنَ لِمُوسى
« 1 » يؤمن
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 83 .