تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
متصلا معمولا لفعل تام متعينا للربط ، أو أنّ إملاءنا خير . وجوّز بعضهم أن يسند الفعل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون فاعل الغيب كفاعل الخطاب ، فتكون القراءتان بمعنى واحد . وقرأ يحيى بن وثاب : ولا يحسبن بالياء ، وإنما نملي بالكسر . فإن كان الفعل مسندا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون المفعول الأول الذين كفروا ، ويكون إنما نملي لهم جملة في موضع المفعول الثاني . وإن كان مسندا للذين كفروا فيحتاج يحسبن إلى مفعولين . فلو كانت إنما مفتوحة سدت مسد المفعولين ، ولكن يحيى قرأ بالكسر ، فخرج على ذلك التعليق فكسرت إن ، وإن لم تكن اللام في حيزها . والجملة المعلق عنها الفعل في موضع مفعولي يحسبن ، وهو بعيد : لحذف اللام نظير تعليق الفعل عن العمل ، مع حذف اللام من المبتدأ كقوله : إني وجدت ملاك الشيمة الأدب أي لملاك الشيمة الأدب ، ولولا اعتقاد حذف اللام لنصب . وحكى الزمخشري أن يحيى بن وثاب قرأ بكسر إنما الأولى ، وفتح الثانية . ووجه ذلك على أن المعنى : ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما كما يفعلون ، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان . والجملة من إنما نملي لهم خير لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله ، ومعناه : أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام اللّه عليهم بتفسيح المدة ، وترك المعاجلة بالعقوبة . وظاهر الذين كفروا العموم . وقال ابن عباس : نزلت في اليهود والنصارى والمنافقين . وقال عطاء : في قريظة والنضير . وقال مقاتل : في مشركي مكة . وقال الزجاج : هؤلاء قوم أعلم اللّه نبيه أنهم لا يؤمنون أبدا ، وليست في كل كافر ، إذ قد يكون الإملاء مما يدخله في الإيمان ، فيكون أحسن له . وقال مكي : هذا هو الصحيح من المعاني . وقال ابن عطية : معنى هذه الآية الرد على الكفار في قولهم : إنّ كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضا اللّه بحالنا واستقامة طريقتنا عنده . وأخبر اللّه تعالى أنّ ذلك التأخير والإهمال إنما هو إملاء واستدراج لتكثير الآثام . قال عبد اللّه بن مسعود : ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها أمّا البرّة فلتسرع إلى رحمة اللّه . وقرأ :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
« 1 » وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثما ، وقرأ هذه الآية انتهى .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 198 .