تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
على العقبين أو العقب من باب التمثيل مثّل من يرجع إلى دينه الأول بمن ينقلب على عقبيه . وتضمنت هذه الجملة الوعيد الشديد .
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
وعد عظيم بالجزاء . وجاء بالسين التي هي في قول بعضهم : قرينة التفسير في الاستقبال ، أي : لا يتأخر جزاء اللّه إياهم عنهم . والشاكرين هم الذين صبروا على دينه ، وصدقوا اللّه فيما وعدوه ، وثبتوا . شكروا نعمة اللّه عليهم بالإسلام ، ولم يكفروها ، كأنس بن النضر ، وسعد بن الربيع ، والأنصاري الذي كان يتشخط في دمه ، وغيرهم ممن ثبت ذلك اليوم . والشاكرون لفظ عام يندرج فيه كل شاكر فعلا وقولا . وقد تقدم الكلام على الشكر . وظاهر هذا الجزاء أنه في الآخرة . وقيل : في الدنيا بالرزق ، والتمكين في الأرض . وفسروا الشاكرين هنا بالثابتين على دينهم قاله : علي . وقال هو والحسن بن أبي الحسن أبو بكر ، أمير الشاكرين يشيران إلى ثباته يوم مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واضطراب الناس إذ ذاك ، وثباته في أمر الردة وما قام به من أعباء الإسلام . وفسر أيضا بالطائعين .
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
قال الزمخشري : المعنى أن موت الأنفس محال أن تكون إلا بمشيئة اللّه ، فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا أن يأذن اللّه له فيه تمثيلا . ولأن ملك الموت هو الموكل بذلك ، فليس له أن يقبض نفسا إلا بإذن من اللّه . وهو على معنيين : أحدهما : تحريضهم على الجهاد ، وتشجيعهم على لقاء العدو ، بإعلامهم أن الحذر لا ينفع ، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك . والثاني : ذكر ما صنع اللّه تعالى برسوله عند غلبة العدوّ ، والتفافهم عليه ، وإسلام قومه له نهزة للمختلسين من الحفظ والكلاء وتأخر الأجل انتهى كلام الزمخشري . وهو حسن . وهو بسط كلام غيره من المفسرين أنه لا تموت نفس إلا بأجل محتوم . فالجبن لا يزيد في الحياة والشجاعة لا تنقص منها . وفي هذه الجملة تقوية للنفوس على الجهاد ، وفيها تسلية في موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقول العرب : ما كان لزيد أن يفعل معناه انتفاء الفعل عن زيد وامتناعه . فتارة يكون الامتناع في مثل هذا التركيب لكونه ممتنعا عقلا كقوله تعالى :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
« 1 » وقوله :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
« 2 » وتارة لكونه ممتنعا عادة نحو : ما كان
هامش
( 1 ) سورة مريم : 16 / 35 . ( 2 ) سورة النمل : 27 / 60 .