تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
أن يصير الذين آمنوا متميزين عن من يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإسلام . وعلم اللّه تعالى لا يتجدد ، بل لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها ، وهو من باب التمثيل بمعنى فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت . وقيل : معناه ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلا أنهم يؤمنون ، ويساوق علمه إيمانهم ووجودهم ، وإلا فقد علمهم في الأزل . إذ علمه لا يطرأ عليه التغير . ومثله أن يضرب حاكم رجلا ثم يبين سبب الضرب ويقول : فعلت هذا التبيين لأضرب مستحقا معناه : ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه . وقيل : معناه وليعلمهم علما يتعلق به الجزاء ، وهو أن يعلمهم موجودا منهم الثبات . وقيل : العلم باق على مدلوله ، وهو على حذف مضاف التقدير : وليعلم أولياء اللّه ، فأسند ذلك إلى نفسه تفخيما . ويتخذ منهم شهداء أي بالقتل في سبيله ، فيكرمهم بالشهادة . يعني يوم أحد . وقد ورد في فضل الشهيد غير ما آية وحديث . أو شهداء على الناس يوم القيامة أي وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلي به صبركم على الشدائد من قوله تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
« 1 » . والقول الأول أظهر وأليق بقصة أحد .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
أي لا يحب من لا يكون ثابتا على الإيمان صابرا على الجهاد . وفيه إشارة إلى أن من انخذل يوم أحد كعبد اللّه بن أبي وأتباعه من المنافقين ، فإنهم بانخذالهم ، لم يطهر إيمانهم بل نجم نفاقهم ، ولم يصلحوا لاتخاذهم شهداء بأن يقتلوا في سبيل اللّه . وذلك إشارة أيضا إلى أن ما فعل من ادالة الكفار ، ليس سببه المحبة منه تعالى ، بل ما ذكر من الفوائد من ظهور إيمان المؤمن وثبوته ، واصطفائه من شاء من المؤمنين للشهادة . وهذه الجملة اعترضت بين بعض الملل وبعض ، لما فيها من التشديد والتأكيد . وأن مناط انتفاء المحبة هو الظلم ، وهو دليل على فحاشته وقبحه من سائر الأوصاف القبيحة .
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
أي يطهرهم من الذنوب ، ويخلصهم من العيوب ، ويصفيهم . قال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي ومقاتل وابن قتيبة في آخرين : التمحيص الابتلاء والاختبار . قال الشاعر :
رأيت فضيلا كان شيئا ملففا * فكشفه التمحيص حتى بدا ليا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 143 .