تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
والمعنى : أن الأمم إذا فضلوا أمة أمة كانت هذه الأمة خيرها . وحكم عليهم بأنهم خير أمة ، ولم يبين جهة الخيرية في اللفظ وهي : سبقهم إلى الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبدارهم إلى نصرته ، ونقلهم عنه علم الشريعة ، وافتتاحهم البلاد . وهذه فضائل اختصوا بها مع ما لهم من الفضائل . وكل من عمل بعدهم حسنة فلهم مثل أجرها ، لأنّهم سبب في إيجادها ، إذ هم الذين سنوها ، وأوضحوا طريقها « من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا » . ومعنى أخرجت : أظهرت وأبرزت ، ومخرجها هو اللّه تعالى ، وحذف للعلم به . وقال ابن عباس : أخرجت من مكة إلى المدينة ، وهي جملة في موضع الصفة لأمة ، أي خير أمة مخرجة ، ويجوز أن تكون في موضع الصفة لخير أمة ، فتكون في موضع نصب أي مخرجة . وعلى هذا الوجه يكون قد روعي هنا لفظ الغيبة ، ولم يراع لفظ الخطاب . وهما طريقان للعرب ، إذا تقدم ضمير حاضر لمتكلم أو مخاطب ، ثم جاء بعده خبره اسما ، ثم جاء بعد ذلك ما يصلح أن يكون وصفا ، فتارة يراعى حال ذلك الضمير فيكون ذلك الصالح للوصف على حسب الضمير فتقول : أنا رجل آمر بالمعروف ، وأنت رجل تأمر بالمعروف . ومنه
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
« 1 » وأنك امرؤ فيك جاهلية :
وأنت امرؤ قد كثأت لك لحية * كأنك منها قاعد في جوالق
وتارة يراعى حال ذلك الاسم ، فيكون ذلك الصالح للوصف على حسبه من الغيبة . فتقول : أنا رجل يأمر بالمعروف ، وأنت امرؤ تأمر بالمعروف . ومنه :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
ولو جاء أخرجتم فيراعى ضمير الخطاب في كنتم لكان عربيا فصيحا . والأولى جعله أخرجت للناس صفة لأمة ، لا لخير لتناسب الخطاب في كنتم خير أمة مع الخطاب في تأمرون وما بعده . وظاهر قوله : للناس أنه متعلق بأخرجت . وقيل : متعلق بخير . ولا يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس هذا اللفظ ، بل من موضع آخر . وقيل : بتأمرون ، والتقدير تأمرون الناس بالمعروف . فلما قدم المفعول جر باللام كقوله :
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
« 2 » أي تعبرون الرؤيا ، وهذا فيه بعد . تأمرون بالمعروف كلام خرج مخرج الثناء من اللّه قاله : الربيع . أو مخرج الشرط في الخيرية ، روي هذا المعنى عن : عمر ، ومجاهد ، والزجاج . فقيل : هو مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول : زيد كريم يطعم
هامش
( 1 ) سورة النمل : 27 / 47 . ( 2 ) سورة يوسف : 12 / 43 .