[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 85 إلى 86 ]
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 )
البكاء الذي حدث منه البياض ، فكأنه حدث من الحزن ، قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض أكرم على اللّه من يعقوب ، ويجوز للنبي عليه السّلام أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ ، لأنّ الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن ، فلذلك حمد صبره ، ولقد بكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ولده إبراهيم ، وقال : ( القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الربّ وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ) « 1 » وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب
فَهُوَ كَظِيمٌ
مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم ، فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله :
إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ
« 2 » من كظم السّقاء إذا شدّه على ملئه .
85 -
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا
أي لا تفتأ فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس إذ لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللام والنون ، ومعنى لا تفتأ لا تزال
تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً
مشفيا على الهلاك مرضا
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ
.
86 -
قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
البثّ أصعب الهمّ الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثّه إلى الناس أي ينشره ، أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم إنما أشكو إلى ربي داعيا له وملتجئا إليه ، فخلوني وشكايتي ، وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام « 3 » ببابكم مسكين فلم تطعموه وإنّ أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثمّ المساكين فاصنع طعاما وادع إليه « 4 » المساكين ، وقيل اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
وأعلم من رحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله هل قبضت روح يوسف فقال : لا واللّه هو حيّ فاطلبه وعلمه هذا الدعاء : يا ذا المعروف الدائم الذي لا ينقطع « 5 » أبدا ولا يحصيه غيره « 6 » فرّج عني .
هامش
( 1 ) متفق عليه من حديث أنس .
( 2 ) القلم ، 68 / 48 .
( 3 ) في ( ز ) فوقف .
( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) عليه .
( 5 ) في ( ز ) زاد معروفه .
( 6 ) في ( ظ ) و ( ز ) غيرك .