الفرّاء « 1 » لا أبدلت ألفها نونا ، وعند سيبويه حرف موضوع لتأكيد نفي المستقبل ، وإنّما علم أنّه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار معجزة ، لأنّهم لو عارضوه بشيء لاشتهر فكيف والطاعنون فيه « 2 » أكثر « 3 » من الذّابّين عنه . وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ، لأنّهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صحّ عندهم صدق الرسول ، وإذا صحّ عندهم صدقه ، ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار ، فقيل لهم إن استبنتم العجز فاتركوا العناد ، فوضع فاتقوا النار موضعه ، لأنّ اتقاء النار سبب ترك العناد ، وهو من باب الكناية ، وهي من شعب البلاغة ، وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية « 4 » القرآن . والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب ، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح . وصلة الذي والتي تجب أن تكون معلوما للمخاطب فيحتمل أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب ، أو من رسول اللّه ، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى :
ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
« 5 » وإنّما جاءت النار منكّرة ثمّ ومعرفة هنا لأنّ « 6 » تلك الآية نزلت بمكة ، ثم نزلت هذه « 7 » بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا . ومعنى قوله تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
، أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنّها تتّقد بالنّاس والحجارة وهي حجارة « 8 » الكبريت ، فهي أشدّ توقدا ، وأبطأ خمودا ، وأنتن رائحة ، وألصق بالبدن ، أو الأصنام المعبودة ، فهي أشدّ تحسرا « 9 » ، وإنّما قرن النّاس بالحجارة لأنّهم قرنوا بها أنفسهم في الدّنيا حيث « 10 » عبدوها وجعلوها للّه أندادا ونحوه قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
« 11 » أي حطبها فقرنهم بها محمّاة في « 12 » نار جهنم إبلاغا في إيلامهم
أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
هيئت لهم ، وفيه دليل على أنّ النار مخلوقة خلافا لما يقوله جهم . سنة اللّه في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لاكتساب ما يزلف ، وتثبيطا عن اقتراف ما يتلف ، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفّاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله :
هامش
( 1 ) الفرّاء : يحيى بن زياد الديلمي ، أبو زكريا ، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو وفنون الأدب ، ولد عام 144 ه ومات عام 207 ه ( الأعلام 8 / 146 ) .
( 2 ) زاد في ( ظ ) أي القرآن .
( 3 ) في ( ز ) أكثر عددا .
( 4 ) في ( ظ ) من جبلة .
( 5 ) التحريم ، 66 / 6 .
( 6 ) سقطت من ( ظ ) .
( 7 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) الآية .
( 8 ) سقط من ( ظ ) من إنها نار . . . إلى وهي حجارة .
( 9 ) في ( ز ) تحسيرا .
( 10 ) في ( ظ ) حين .
( 11 ) الأنبياء ، 21 / 98 .
( 12 ) في ( ظ ) من .