تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 17 ]

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) اللّه « 1 »
فَإِنْ تابا
عن الفاحشة
وَأَصْلَحا
وغيّرا الحال
فَأَعْرِضُوا عَنْهُما
فاقطعوا التوبيخ والمذمة
إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً
يقبل توبة التائب ويرحمه . قال الحسن : أول ما نزل من حدّ الزنا الأذى ، ثم الحبس ، ثم الجلد أو الرجم ، فكان ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة ، والحاصل أنّهما إذا كانا محصنين فحدّهما الرجم لا غير ، وإذا كانا غير محصنين فحدّهما الجلد لا غير ، وإن كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد ، وقال ابن بحر « 2 » : الآية الأولى في السّحاقات والثانية في اللواطين ، والتي في سورة النور في الزاني والزانية ، وهو دليل ظاهر لأبي حنيفة رحمه اللّه في أنّه يعزر في اللواطة ولا يحد ، وقال مجاهد : آية الأذى في اللواطة . 17 -
إِنَّمَا التَّوْبَةُ
هي من تاب اللّه عليه إذا قبل توبته أي إنّما قبولها
عَلَى اللَّهِ
وليس المراد به الوجوب إذ لا يجب على اللّه شيء ، ولكنه تأكيد للوعد ، يعني أنّه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
الذنب لسوء عقباه « 3 »
بِجَهالَةٍ
في موضع الحال ، أي يعملون السوء جاهلين سفهاء ، لأنّ ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السّفه ، وعن مجاهد من عصى اللّه فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته ، وقيل جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية ، وقيل لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل كنه عقوبته
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
من زمان قريب وهو ما قبل حضرة الموت ، ألا ترى إلى قوله :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
فبيّن أنّ وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة ، وعن الضحّاك : كلّ توبة قبل الموت فهو قريب ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : قبل أن ينظر إلى ملك الموت ، وعنه صلى اللّه عليه وسلم : ( إن اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) « 4 » ومن للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنّه سمّى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زمانا قريبا
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
عدة بأنّه يفي بذلك ، وإعلام بأنّ الغفران كائن لا محالة
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بعزمهم على التوبة
حَكِيماً
حكم بكون الندم توبة .
هامش
( 1 ) ليس في ( ظ ) لفظ الجلالة . ( 2 ) ابن بحر هو الجاحظ عمرو بن بحر سبق ترجمته في 2 / 34 . ( 3 ) في ( ز ) عقابه . ( 4 ) رواه الطبري .