تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
قلب كما تفعل العرب كثيرا ، فمن ذلك قول الشاعر : [ الوافر ]
فديت بنفسه نفسي ومالي * وما آلوك إلا ما أطيق
ومن ذلك قول الآخر [ خداش بن زهير ] : [ الطويل ]
وتركب خيل لا هوادة بينها * وتشفي الرماح بالضياطرة الحمر
وهذا البيت لا حجة فيه إذ يتجه على وجهه فتأمله ، ومن ذلك قول الآخر :
فما كنت في الحرب العوان مغمزا * إذا شب حر وقودها أجدالها
وقال سيبويه والخليل التقدير « لتنيء العصبة » فجعل بدل ذلك تعدية الفعل بحرف الجر كما تقول ناء الحمل وأنأته ونؤت به ، بمعنى جعلته ينوء والعرب تقول ناء الحمل بالبعير إذا أثقله . قال الفقيه الإمام القاضي : ويحتمل أن يسند « تنوء » إلى المفاتح مجازا لأنها تنهض بتحامل إذا فعل ذلك الذي ينهض بها وهذا مطرد في قولهم ناء الحمل بالعير ونحوه فتأمله ، واختلف الناس في « العصبة » كم هي فقال ابن عباس ثلاثة ، وقال قتادة من العشرة إلى الأربعين ، وقال مجاهد خمسة عشر حملا ، وقيل أحد عشر حملا على إخوة يوسف وقيل أربعون ، وقرأ بديل بن ميسرة « لينوء » بالياء ووجهها أبو الفتح على أنه يقرأ « مفاتحه » جمعا وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ « ما إن مفتاحه » على الإفراد فيستغنى على هذا عن توجيه أبي الفتح ، وقوله تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ
، متعلق بقوله
فَبَغى
، ونهوه عن الفرح المطغي الذي هو انهماك وانحلال نفس وأشر وإعجاب ، و « الفرح » هو الذي تخلق دائما بالفرح ، ولا يجب في هذا الموضع صفة فعل لأنه أمر قد وقع فمحال أن يرجع إلى الإرادة وإنما هو لا يظهر عليهم بركته ولا يبهم رحمته ، ثم وصوه أن يطلب بماله رضى اللّه تعالى ويقدم لآخرته ، وقوله تعالى :
وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
، اختلف المتأولون فيه فقال ابن عباس والجمهور : معناه لا تضيع عمرك في أن لا تعمل عملا صالحا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا فنصيب الإنسان وعمله الصالح فيها فينبغي أن لا يهمله . قال الفقيه الإمام القاضي : فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة . وقال الحسن وقتادة : معناه ولا تضيع أيضا حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك . قال الفقيه الإمام القاضي : فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة ، وقال الحسن : معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغ . وقال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف . وحكى الثعلبي أنه قيل أرادوا بنصيبه الكفن . قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا وعظ متصل كأنهم قالوا لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر : [ الطويل ]
نصيبك مما تجمع الدهر كله * رداءان تلوى فيهما وحنوط