تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
في بنيات الطريق قصد إلى موضع موسى فبلغه قولهم له
إِنَّ الْمَلَأَ
الآية ، و
يَسْعى
معناه يسرع في مشيه قاله الزجاج وغيره وهو دون الجري ، وقال ابن جريج : معناه يعمل وليس بالشد . قال الفقيه الإمام القاضي : وهذه نزعة مالك رحمه اللّه في سعي الجمعة والأول عندي أظهر في هذه الآية : و
يَأْتَمِرُونَ
وزنه يفتعلون ويفتعلون يأتي كثيرا بمعنى يتفاعلون ، ومنه ازدوج بمعنى تزاوج ، وذهل ابن قتيبة إلى أنه بمعنى يأمر بعضهم بعضا وقال : لو كان ذلك لكان يتأمرون . قال الفقيه الإمام القاضي : وذهب عنه أن يفتعل بمعنى يتفاعل وفي القرآن
وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ
[ الطلاق : 6 ] ، وقد قال النمر بن تولب : [ المتقارب ]
أرى الناس قد أحدثوا شيمة * وفي كل حادثة يؤتمر
وأنشد الطبري : [ الكامل ]
ما تأتمر فينا فأمرك في * يمينك أو شمالك
ومنه قول ربيعة بن جشم : [ المقارب ]
أجار بن كعب كأني خمر * ويعدو على المرء ما يأتمر
فخرج موسى عليه السلام وأفلت القوم فلم يجده أحد منهم وخرج بحكم فزعه ومبادرته إلى الطريق المؤدية إلى مدين وهي مدينة قوم شعيب عليه السلام ، وكان موسى لا يعرف تلك الطريق ، ولم يصحب أحدا ، فركب مجهلتها واثقا باللّه تعالى ومتوكلا عليه ، قال السدي ومقاتل : فروي أن اللّه تعالى بعث إليه جبريل ، وقيل ملكا غيره ، فسدده إلى طريق مدين وأعطاه عصا يقال هي كانت عصاه ، وروي أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم في مدين وهو أصح وأكثر ، وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام قاله ابن جبير والناس ، وكان ملك مدين لغير فرعون ، وحكى الطبري عن ابن جريج أو ابن أبي نجيح ، شك الطبري أنه قال : إن الذي
أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ
هو الإسرائيلي فنهاه موسى عن ذلك بعد أن قال له
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
[ القصص : 18 ] ففزع الإسرائيلي عند ذلك من موسى وخاطبه بالفضح وكان موسى من الندامة والتوبة في حد لا يتصور معه أن يريد البطش بهذا الفرعوني الآخر ، وروى ابن جريج أن اسم الرجل الساعي
مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
شمعون ، وقال ابن إسحاق : شمعان . قال الفقيه القاضي أبو محمد : والثبت في هذا ونحوه بعيد . قوله عزّ وجل :

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 22 إلى 24 ]

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 ) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 )