تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
بورك الميّت الغريب كما بو * رك الرمّان والزيتون
وقوله تعالى :
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
قرأ الجمهور فيهما بالخفض عطفا على
زَيْتُونَةٍ
، وقرأ الضحاك « لا شرقية ولا غربية » بالرفع ، واختلف المتأولون في معناه ، فقال ابن عباس فيما حكى عنه الطبري معناه أنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب . قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول لا يصح عندي عن ابن عباس لأن الوجود يقتضي أن الشجرة التي تكون بهذه الصفة ينفسد جناها ، وقال الحسن ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه اللّه لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية ، وقال ابن زيد أراد أنها من شجر الشام لأن شجر الشام هي أفضل الشجر وهي « الأرض المباركة » ، وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم المعنى في قوله :
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
أنها في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طول النهار تستدير عليها أي فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية ، وقوله :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
مبالغة في صفة صفائه وحسنه وجودته ، وقرأ الجمهور « تمسسه » بالتاء من فوق ، وقرأ ابن عباس والحسن بالياء من تحت ، وقوله :
نُورٌ عَلى نُورٍ
أي هذه كلها معاون تكامل بها هذا النور الممثل به وفي هذا الموضع تم المثال ، ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده وذكر تفضله في ضرب الأمثال للعباد ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان . قوله عزّ وجل :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) الباء في
بُيُوتٍ
تضم وتكسر ، واختلف في الفاء من قوله
فِي
فقيل هي متعلقة ب
مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] قال أبو حاتم وقيل متعلقة ب
يُسَبِّحُ
المتأخر ، فعلى هذا التأويل يوقف على
عَلِيمٌ
[ النور : 38 ] قال الرماني هي متعلقة ب
يُوقَدُ
[ النور : 35 ] واختلف الناس في البيوت التي أرادها بقوله تعالى :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
فقال ابن عباس والحسن ومجاهد هي المساجد المخصوصة للّه تعالى التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح ، وقال الحسن بن أبي الحسن أراد بيت المقدس وسماه بيوتا من حيث فيه مواضيع يتحيز بعضها عن بعض . قال الفقيه الإمام القاضي : ويؤثر ، أن عادة بني إسرائيل في وقيد بيت المقدس كانت غاية في التهمم به ، وكان الزيت منتخبا مختوما على ظروفه قد صنع صنعة وقدس حتى لا يجزى الوقيد بغيره ، فكان لهذا ونحوه أضوأ بيوت الأرض ، وقال عكرمة أراد بيوت الإيمان على الإطلاق مساجد ومساكن فهي التي يستصبح فيها بالليل للصلاة وقراءة العلم ، وقال مجاهد أراد بيوت النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ
يقوي أنها المساجد وقوله :
أَذِنَ
بمعنى أمر وقضى ، وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 185 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى