تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا يحتمل والأول أظهر ، وقوله
فِي غَمْرَةٍ
يريد في ضلال قد غمرها كما يفعل الماء الغمر بما حصل فيه ، وقوله
مِنْ هذا
، يحتمل أن يشير إلى القرآن ، ويحتمل أن يشير إلى كتاب الإحصاء ، ويحتمل أن يشير إلى الأعمال الصالحة المذكورة قبل ، أي هم في غمرة من اطراحها وتركها ويحتمل أن يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكل تأويل من هذه قالته فرقة ، وقوله تعالى :
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ
الإشارة بذلك إلى الغمرة والضلال المحيط بهم فمعنى الآية بل هم ضالون معرضون عن الحق ولهم مع ذلك سعايات فساد فوسمهم تعالى بحالتي شر ، قال هذا المعنى قتادة وأبو العالية ، وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعماهم فيه ، وقالت فرقة الإشارة بذلك إلى قوله :
مِنْ هذا
فكأنه قال : لهم أعمال من دون الحق ، وقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد : إنما أخبر بقوله
وَلَهُمْ أَعْمالٌ
عما يستأنف من أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد يستعملونها ، و
حَتَّى
حرف ابتداء لا غير ، و
إِذا
والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون
حَتَّى
غاية ل
عامِلُونَ
، و « المترف » هو المنعم في الدنيا الذي هو منها في سرف وهذه حال شائعة في رؤساء الكفرة من كل أمة و
يَجْأَرُونَ
معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعمال الجؤار في البشر ومنه قول الأعشى : [ المتقارب ]
يراوح من صلوات المليك * فطورا سجودا وطورا جؤارا
وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور هو الوعيد بيوم بدر وفيه نفذ على
مُتْرَفِيهِمْ
والضمير في قوله
إِذا هُمْ
يحتمل أن يعود على « المترفين » فقط لأنهم صاحوا حين نزل بهم الهزم والقتل يوم بدر ، ويحتمل أن يعود على الباقين بعد المعذبين وقد حكى ذلك الطبري عن ابن جريج قال : المعذبون قتلى بدر والذين
يَجْأَرُونَ
قتلى مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا . قوله عزّ وجل :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 65 إلى 68 ]

لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) المعنى يقال لهم يوم العذاب وعند حلوله
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ
وهذا القول يجوز أن يكون حقيقة ، أي تقول ذلك لهم الملائكة ويحتمل أن يكون مجازا أي لسان الحال يقول ذلك ، وهذا على أن الذين يجأرون هم المعذبون ، وأما على قول ابن جريج فلا يحتمل أن تقول ذلك الملائكة ، وقوله
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
يريد بها القرآن ، و
تَنْكِصُونَ
معناه ترجعون وراءكم وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحق ، وقرأ علي بن أبي طالب « على أدباركم تنكصون » بضم الكاف وبذكر الإدبار بدل أعقاب ، و
مُسْتَكْبِرِينَ
حال ، والضمير في
بِهِ
قال الجمهور : هو عائد على الحرم والمسجد وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر ، والمعنى أنكم تعتقدون في نفوسكم أن لكم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل عند اللّه فأنتم تستكبرون لذلك وليس الاستكبار من الحق ، وقالت فرقة :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 149 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى