فإن قيل : فقد قال تعالى « 1 » :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
فكانت هذه المغفرة عامة في كل حقّ .
قلنا : هذه مغفرة عامة بلا خلاف للمصلحة في التحريض لأهل الكفر على الدخول في الإسلام ؛ فأمّا من التزم حكم الإسلام فلا يسقط عنه حقوق المسلمين إلا أربابها .
وقد قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في الشهادة : إنها تكفّر كل خطيئة إلا الدّين .
وأما من قال : إنّ حكمها أنها تكفّر حقوق اللّه تعالى فهو صحيح لقوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
وأما من قال في حقوق الآدميين : إنّ الإمام لا يتولّى طلبها ، وإنما يطلبها أربابها - وهو مذهب مالك - فصحيح ؛ لأنّ الإمام ليس بوكيل لمعيّنين من الناس في حقوقهم المعيّنة ، وإنما هو نائبهم في حقوقهم المجملة المبهمة التي ليست بمعينة .
وأما إن عرفنا بيده مالا لأحد أخذه في الحرابة فلا نبقيه في يده لأنه عصب ، ونحن نشاهده ، والإقرار على المنكر لا يجوز ، فيكون بيد صاحبه المسلم حتى يأخذه مالكه من يد صاحبه وأخيه الذي يوقفه الإمام عنده .
الآية الثالثة عشرة - قوله تعالى « 2 » :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
.
فيها تسع وعشرون مسألة :
المسألة الأولى - في شرح حقيقة السرقة ؛ وهي أخذ المال على خفية من الأعين ، وقد بيّنا ذلك في مسألة قطع النبّاش من مسائل الخلاف ، فلينظر هنالك في كتبه .
وقد قال محمد بن يزيد : السارق هو المعلن والمختفى .
وقال ثعلب : هو المختفى ، والمعلن عاد . وبه نقول ، وقد بيناه في الملجئة .
المسألة الثانية - الألف واللام من السارق والسارقة بيّنا معناهما في الرسالة الملجئة . وقلنا : إن الألف واللام يجتمعان في الاسم ويردان عليه للتخصيص وللتعيين ، وكلاهما تعريف بمنكور على
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، آية 38 .
( 2 ) الآية الثامنة والثلاثون من السورة .