كان معه إيلاج وهذا الفقه صحيح . وذلك أن الحدّ للزجر عن الموضع المشتهى ، وقد وجد ذلك المعنى كاملا ؛ بل هذا أحرم وأفحش ؛ فكان بالعقوبة أولى وأحرى .
فإن قيل : هذا وطء في فرج لا يتعلّق به إحلال ولا إحصان ، ولا وجوب مهر ، ولا ثبوت نسب ؛ فلم يتعلق به حدّ .
قلنا : هذا بيان لمذهب مالك ؛ فإنّ بقاء هذه المعاني فيه لا يلحقه بوطء البهيمة ، إنما يعظم أمره على الوطء في القبل تعظيما يوجب عليه العقوبة فيه ، أحصن أو لم يحصن ؛ ألا ترى إلى عقوبة اللّه عليه ما أعظمها .
فإن قيل : عقوبة اللّه لا حجة فيها لوجهين .
أحدهما - أنّ قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر .
الثاني - أنّ صغيرهم وكبيرهم دخل فيها . فدلّ على خروجها عن « 1 » باب الحدود .
فالجواب أنّا نقول : أمّا قولهم إنّ اللّه عاقبهم على الكفر فهذا غلط ؛ فإن اللّه أخبر أنهم كانوا على معاص فأخذهم منها بهذه ، ألا تسمعه يقول « 2 » :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ . وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
. قالوا له :
لئن لم تنته لنفعلنّ بك [ يا لوط ] « 3 » ، ففعل اللّه بهم قبل ذلك .
الثاني - أنه إنما أخذ الصغير والكبير ؛ لسكوت الجملة عليه والجماهير ؛ فكان منهم فاعل ، وكان منهم راض ؛ فعوقب الجميع ، وبقي الأمر في العقوبة على الفاعلين مستمرّا .
وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول [ به ] « 4 » .
فإن قيل :
فقد روى هؤلاء الأئمة وغيرهم أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من وجدتموه قد أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوه البهيمة « 5 » .
هامش
( 1 ) في ل : من .
( 2 ) سورة الشعراء ، آية 165 ، 166
( 3 ) من ل ، ونص الآية : قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين .
( 4 ) من ل والترمذي : 4 - 57 ، وانظر ابن ماجة 865 .
( 5 ) سنن الترمذي : 4 - 56 ، وبقيته :
فقيل لابن عباس : ما شأن البهيمة ؟ قال : ما سمعت من رسول اللّه في ذلك شيئا ، ولكن أرى رسول اللّه كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها وقد عمل بها ذلك العمل .