فيها أربع مسائل :
المسألة الأولى - قال بعض علمائنا : في هذه الآية غريبة من القرآن ليس لها أخت في كتاب اللّه تعالى ؛ وذلك أنها آية ينسخ آخرها أولها ؛ نسخ قوله :
إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
قوله :
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
. وقد حققنا القول في ذلك في القسم الثاني من علوم القرآن الناسخ والمنسوخ ، فالحظوه هناك إن شاء اللّه تعلموه .
المسألة الثانية - روى أن أبا بكر الصديق قال : أيها الناس ، إنكم تقرءون هذه الآية وتتأوّلونها على غير تأويلها :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
. وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّه سبحانه بعذاب « 1 » من عنده .
وروى أبو أمية « 2 » الشّعبانى قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني ، فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية ؟ فقال : أية آية ؟ قلت : قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
؛ فقال : أما واللّه لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا ، وهوى متّبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كلّ ذي رأى برأيه - فعليك بخاصة نفسك ، ودع أمر العامة ؛ فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا ، يعملون مثل عملكم . . . الحديث إلى آخره .
المسألة الثالثة - هذه الآية من أصول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذي هو أصل الدّين وخلافة المسلمين « 3 » ؛ وقد ذكر علماؤنا أبوابه ومسائله في أصول الدين ، وهي من فروعه ، وقد تقدم ذكرنا لها في آيات قبل هذا ، وذكرنا بعض شروطه ، وحققنا أن القيام به فرض على جميع الخلق . وعرضت هذه الآية الموهمة في ابتداء الحال لمعارضتها لما تقدم ، أو لما يتأخر في كتاب اللّه تعالى من الآيات المؤكدة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعند سداد النظر وانتهائه إلى الغاية يتبيّن المطلوب .
هامش
( 1 ) في ل ، والقرطبي : بعقاب .
( 2 ) والترمذي : 5 - 257 ، والقرطبي ، واللباب . وفي ل : أبو أمامة .
( 3 ) في ل : المرسلين .