وأما قول ابن عباس فخارج عن « 1 » اللغة . وأما قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ تابَ
، فإن الآيتين كانتا متصلتين في علم اللّه تعالى وفي لوحه ؛ وإنما تأخّر نزولها لحكمة علم اللّه تعالى ذلك فيها ، فلا بتعلق بها ؛ أما إنه يتركب عليها فرع حسن ، وهو أن الحالف إذا قال : واللّه لأدخلت الدار ، أو أنت طالق إن دخلت الدار ، واستثنى في يمينه الأول إن شاء اللّه في قلبه ، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء « 2 » الذي يرفع اليمين لمدة ولسبب أو لمشيئة أحد ، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له ، فإن ذلك ينفعه ولا ينعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة ، فإن حضرته بينة لم يقبل منه دعواه ، لئلا يكون ندما .
وقد تيقنّا التحريم بوقوع الطلاق ، فلا ينفعه دعواه الاستثناء ، وإنما يكون ذلك نافعا له وحده إذا جاء مستفتيا .
( نكتة ) كان أبو الفضل المراغي « 3 » يقرأ بمدينة السلام « 4 » ، فكانت الكتب تأتى إليه من بلده ، فيضعها في صندوق ، ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطّلع فيها « 5 » على ما يزعجه أو يقطع به عن طلبه ، فلما كان بعد خمسة أعوام ، وقضى غرضا من الطلب ، وعزم على الرحيل شدّ رحله ، وأبرز كتبه ، وأخرج تلك الرسائل وقرأ منها ما لو أنّ واحدة منها قرأها في وقت وصولها ما تمكّن بعدها من تحصيل حرف من العلم ، فحمد اللّه تعالى ، ورحل على دابته قماشه « 6 » ، وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان ، وتقدمه الكرى « 7 » بالدابة ، وأقام هو على فامىّ « 8 » يبتاع منه سفرته ؛ فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامىّ آخر : أي فل ، أما سمعت العالم يقول - يعنى الواعظ : إن ابن عباس يجوّز الاستثناء ولو بعد سنة ، لقد اشتغل بالى بذلك منه منذ سمعته يقوله ، وظللت فيه متفكّرا ، ولو كان ذلك صحيحا لما قال اللّه تعالى لأيوب « 9 » :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
« 10 »
فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
. وما الذي كان يمنعه من أن يقول حينئذ : قل إن شاء اللّه ؟
فلما سمعته يقول ذلك قلت : بلد يكون الفاميّون « 11 » به من العلم في هذه المرتبة اخرج
هامش
( 1 ) والقرطبي : 6 - 273 .
( 2 ) في ا : ما يصح من الاستثناء .
( 3 ) نسبة إلى المراغة ، وهي بلدة مشهورة من بلاد أذربيجان .
( 4 ) مدينة السلام : بغداد .
( 5 ) في ل : فيه .
( 6 ) القماش : متاع البيت .
( 7 ) الكرى : المستأجر .
( 8 - 11 ) الفامي هنا : الخباز ، والسفرة : طعام يتخذه المسافر .
( 9 ) سورة ص ، آية 44
( 10 ) الضغث : قبضة ريحان أو حشيش أو قضبان ( المفردات ) .