واختلف الناس في قوله :
ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
، فقال ابن عباس وأنس بن مالك والحسن وقتادة وعكرمة : معناه : في الآخرة ، وكان هذا في صدر الإسلام ، ثم بعد ذلك عرفه اللّه تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبأن المؤمنين لهم من اللّه فضل كبير وهو الجنة ، وبأن الكافرين في نار جهنم ، والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيده هذا وهو قوله : « فو اللّه ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي » ، وفي بعض الرواية : « به » ، ولا حجة في الحديث على رواية « به » ، والمعنى عندي في هذا القول أنه لم تكشف له الخاتمة فقال لا أدري ؟ وأما ان من وافى على الإيمان فقد أعلم بنجاته من أول الرسالة وإلا فكان للكفار أن يقولوا : وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة ، وقال الحسن أيضا وجماعة .
معنى الآية :
ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
في الدنيا من أن أنصر عليكم أو من أن تمكنوا مني ، ونحو هذا من المعنى . وقالت فرقة : معنى الآية :
ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
من الأوامر والنواهي وما تلزم الشريعة من أعراضها . وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال : نزلت الآية في أمر كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ينتظره من اللّه في غير الثواب والعقاب ، وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج النبي عليه السلام من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة ، قلق المسلمون لتأخر ذلك ، فنزلت هذه الآية .
وقوله :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
معناه : الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب اللّه عزّ وجل :
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 )
هذه الآية توقيف على الخطر العظيم الذي هم بسبيله في أن يكذبوا بأمر نافع لهم منج من العذاب دون حجة ولا دليل لهم على التكذيب ، فالمعنى كيف حالكم مع اللّه ، وما ذا تنتظرون منه وأنتم قد كفرتم بما جاء من عنده ، وجواب هذا التوقيف محذوف تقديره : أليس قد ظلمتم ، ودل على هذا المقدر قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
و :
أَ رَأَيْتُمْ
في هذه الآية يحتمل أن تكون منبهة ، فهي لفظ موضوع للسؤال لا يقتضي مفعولا ، ويحتمل أن تكون الجملة
كانَ
وما عملت فيه تسد مسد مفعوليها .
واختلف الناس في المراد ب ( الشاهد ) فقال الحسن ومجاهد وابن سيرين : هذه الآية مدنية ، والشاهد عبد اللّه بن سلام . وقوله :
عَلى مِثْلِهِ
الضمير فيه عائد على قول محمد عليه السلام في القرآن إنه من عند اللّه . وقال الشعبي : الشاهد رجل من بني إسرائيل غير عبد اللّه بن سلام كان بمكة ، والآية مكية .
وقال سعد بن أبي وقاص ومجاهد وفرقة : الآية مكية ، والشاهد عبد اللّه بن سلام ، وهي من الآيات التي تضمنت غيبا أبرزه الوجود ، وقد روي عن عبد اللّه بن سلام أنه قال : فيّ نزلت . وقال مسروق بن الأجدع والجمهور : الشاهد موسى بن عمران عليه السلام ، والآية مكية ، ورجحه الطبري .